
دكتور هيثم حميد مطلك المنصور
لم تعد السياسات الاقتصادية الحديثة مقتصرة على حجم الناتج المحلي أو مستوى الاحتياطيات الأجنبية أو وفرة الموارد الطبيعية. فهذه المؤشرات، على أهميتها، لم تعد كافية لادارة وتقييم قدرة الدولة على الاندماج في الاقتصاد العالمي أو جذب الاستثمار أو خفض كلفة التمويل. وفي ظل تزايد حساسية الأسواق تجاه المخاطر التنظيمية والمؤسسية، يظهر "معيار الامتثال الدولي" بوصفه أحد أبرز المحددات الجديدة لقوة الاقتصاد ومكانته.
يقوم هذا المعيار على مدى التزام الدولة بالمعايير الدولية المنظمة للحركة المالية والاقتصادية، وفي مقدمتها مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز الشفافية، وترسيخ الحوكمة، وسيادة القانون، وجودة التنظيم، وفعالية إنفاذ القرارات. ومع مرور الوقت، لم يعد الامتثال مجرد إجراء فني أو التزام قانوني، بل أصبح مؤشراً يعكس طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة قادرة على إنتاج الثقة أم دولة تستهلكها دون أن تعيد إنتاجها؟
من هنا تتضح أهمية دراسة الاقتصاد العراقي. فالعراق يمتلك، من حيث الإمكانات، عناصر قوة لا تتوافر لكثير من الاقتصادات النامية، مثل الثروة النفطية الكبيرة، والموارد المالية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والاحتياطيات الأجنبية، فضلاً عن الدعم الدولي الذي استمر لسنوات. ومع ذلك، يظل السؤال قائماً: لماذا لم تتحول هذه الإمكانات إلى اقتصاد متنوع قادر على تحقيق نمو مستدام، أو إلى مؤسسات تستند إلى ثقة دولية راسخة؟
تتمثل الاجابة في الفجوة بين "القدرة المالية" و"القدرة المؤسسية" فالثروة النفطية قادرة على تمويل الدولة، لكنها غير كافية لبناء نظام مصرفي موثوق، أو قضاء فاعل، أو رقابة مالية كابحة للمخاطر، أو بيئة أعمال محفزة للاستثمار. ومن هنا، يتبلور الامتثال الدولي عاملاً حاسماً في تفسير واقع الاقتصاد العراقي، لأنه يعكس مدى قدرة الدولة على تحويل مواردها إلى ثقة اقتصادية مستدامة.
ذلك ان معيار الإنتاجية لم يعد الوحيد الذي تقاس به كفاءة الاقتصاد وتنافسيته ، بل بات ما يتيحه الاقتصاد من تدفقات مالية وتجارية واستثمارية وما يعزز من مرونة علاقاته المصرفية دوليا هو المعيار الحقيقي. وبهذا المنطق فان الدول التي تحقق مستويات عالية من الامتثال تنخفض لديها كلفة المعاملات، وتتوسع علاقاتها المصرفية، وتتحسن قدرتها على تمويل التجارة والاستثمار، ويصبح وصولها إلى الأسواق العالمية أكثر سهولة وأقل كلفة. في المقابل، تواجه الدول ذات الامتثال الضعيف ارتفاعاً في علاوة المخاطر، وتشديداً في العلاقات المصرفية، وتباطؤاً في التدفقات المالية، حتى وإن كانت تمتلك موارد طبيعية كبيرة.
وطبقا لهذا التحليل تتجلى الإشكالية العراقية بوضوح. فقد ركزت الإصلاحات خلال السنوات الماضية في كثير من الأحيان على معالجة الأعراض بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية. وعند ظهور ضغوط داخلية أو خارجية، تم تشديد التعليمات، ورفع متطلبات الامتثال على المصارف، وتعديل إجراءات التحويلات، وتعزيز الرقابة على العملة الأجنبية. ورغم أهمية هذه الإجراءات، إلا أنها تظل غير كافية ما لم تُدعَم بإصلاحات مؤسسية عميقة تعالج مصادر المخاطر من أساسها.
لذا فالامتثال الدولي ليس مجرد ملف مصرفي، بل هو انعكاس شامل لجودة الدولة. وإذا كانت مؤسسات الدولة تعاني ضعف التنسيق، أو كانت البيئة القانونية غير مستقرة، أو ظل الاقتصاد غير الرسمي واسعاً، أو بقيت الحوكمة عرضة للتجاذبات، فإن أي تحسن في المؤشرات التشغيلية سيظل محدوداً ومؤقتاً. لذلك، ينبغي النظر إلى معيار الامتثال الدولي بوصفه "مؤشراً لكفاءة الدولة المؤسسية"، وليس مجرد التزام بتعليمات فنية.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، يكشف هذا المعيار عن إحدى إشكاليات الاقتصادات الريعية، حيث تتيح الإيرادات النفطية تأجيل الإصلاح دون أن تلغيه. فوفرة الموارد تمنح الدولة قدرة على الإنفاق وتخفف الضغوط المباشرة للتغيير، لكنها في الوقت ذاته تؤخر بناء المؤسسات القادرة على تحقيق الاستدامة خارج تقلبات النفط. وعندما تتغير المعايير الدولية أو ترتفع حساسية الأسواق تجاه المخاطر، تظهر هذه الفجوات المؤسسية بشكل أكثر وضوحاً.
لذلك، فإن العراق لا يحتاج فقط إلى تحسين علاقته بالنظام المالي الدولي، بل إلى إعادة صياغة طريقة عمل الدولة نفسها. فالمطلوب ليس الامتثال الشكلي، بل ترسيخ الامتثال كثقافة مؤسسية مستدامة. وهذا يتطلب قوانين قابلة للتطبيق، ورقابة مستقلة، وبيانات مالية دقيقة، وقرارات إدارية قابلة للتنبؤ، وإجراءات حكومية أكثر شفافية وأقل كلفة. عندها فقط يتحول الامتثال من عبء تنظيمي إلى أصل اقتصادي حقيقي.
وفي هذا المضمار، يمكن الحديث عن "رأس مال امتثالي" وهو ذلك الرصيد غير المادي الذي تكتسبه الدولة عندما تنجح في بناء ثقة الأسواق والمؤسسات الدولية. هذا الرأس المال لا يظهر في الموازنات العامة، لكنه يتجلى في شروط التمويل، وتصنيفات المخاطر، وسهولة تحويل الأموال، وقدرة البنوك المحلية على التعامل مع نظيراتها الدولية، واستعداد المستثمرين لتحمل المخاطر. ومن ثم، فإن الامتثال الدولي يمثل أحد أعمدة القوة الاقتصادية في العصر الحديث.
وعليه، يواجه الاقتصاد العراقي اليوم اختباراً مزدوجاً: اختبار إدارة الموارد، واختبار إدارة الثقة. فالأول يتعلق بكيفية توظيف الإيرادات النفطية، أما الثاني فيرتبط ببناء مؤسسات تحظى بقبول دولي وتعمل وفق معايير واضحة ومستدامة. والنجاح في الاختبار الثاني يعزز فرص النجاح في الأول.
إن مستقبل الاقتصاد العراقي لن تحدده الثروة الطبيعية وحدها، بل قدرته على التحول من اقتصاد قائم على الريع إلى اقتصاد قائم على الثقة. فالثقة ليست مجرد قيمة معنوية، بل عنصر اقتصادي ملموس ينعكس في تكلفة رأس المال، وانسياب التجارة، وجاذبية الاستثمار، واستقرار النظام المالي. ومن هنا، فإن معيار الامتثال الدولي ليس مجرد إطار تحليلي، بل مفتاح لفهم موقع العراق في الاقتصاد العالمي، وربما أيضاً لتحديد مساره في السنوات المقبلة.
وفي ضوء ذلك، لم يعد السؤال الأساسي: كم نملك من النفط؟ بل أصبح: كم نملك من الثقة؟ لأن الدول التي تمتلك الثقة قادرة على تحويل مواردها إلى تنمية مستدامة، بينما تبقى الدول التي تفتقر إليها أسيرة مواردها، مثقلة بكلفة مؤسسية مرتفعة. ومن هذا المنطلق، يغدو معيار الامتثال الدولي ليس فقط أداة للتقييم، بل بوصلة لإعادة بناء الاقتصاد العراقي على أسس أكثر متانة واستدامة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام