ترامب: إيران في حالة فوضى اقتصادية وتضخم 300%   الإقتصاد نيوز   القاضي زيدان يبحث مع رئيس هيئة الاستثمار المعالجة القانونية للإجازات المتلكئة   الإقتصاد نيوز   النصيري يؤكد أن الإجراءات الاقتصادية للحكومة تضمن تأمين الرواتب والنفقات الحاكمة    الإقتصاد نيوز   النزاهة: تنفيذ أوامر قبض واستقدام بحـــق (٣٤) متهما بالاستيلاء على عقارين مملوكين للدولة ونقل ملكيتهما في الأنبار   الإقتصاد نيوز   الموازنة الوطنية للمهارات… الحلقة المفقودة بين التعليم والاقتصاد   الإقتصاد نيوز   إيكاروس الدولية للاستشارات: العراق يستطيع الإعلان عن ممرات تصدير بديلة في أي وقت   الإقتصاد نيوز   محكمة أمريكية تلزم "ميتا" وشركات أخرى بمواجهة آلاف الدعاوى حول إدمان تطبيقاتها   الإقتصاد نيوز   واشنطن تلغي أكثر من 175 ألف تأشيرة لأجانب   الإقتصاد نيوز   ليبيا.. للمرة الثانية طائرة مسيّرة انتحارية تستهدف خزانا بمصفاة الزاوية   الإقتصاد نيوز   شبكات فساد وتزوير بأختام رسمية.. تحقيقات موسعة تطال بلدية الناصرية في ذي قار   الإقتصاد نيوز  
الموازنة الوطنية للمهارات… الحلقة المفقودة بين التعليم والاقتصاد

الاقتصاد نيوز — بغداد

يعرف العراق مقدار ما يمتلكه من نفط، لكنه لا يعرف بدقة مقدار ما يمتلكه من مهارات. يعرف قيمة موارده تحت الأرض، لكنه لا يمتلك حتى الآن خريطة واضحة لقدرات الإنسان فوقها.

وهذه ليست فجوة إحصائية فحسب، بل مشكلة اقتصادية؛ لأن الدولة التي لا تعرف مهارات أبنائها لا تستطيع أن تخطط لسوق العمل، أو توجه التعليم، أو تحدد نوع الاستثمارات التي يستطيع اقتصادها تشغيلها واستدامتها.

في العراق، يبحث كثير من الخريجين عن فرصة، وفي المقابل تبحث شركات ومشروعات عن مهارات لا تجدها بسهولة. وبين الطرفين تتسع فجوة تبدو في ظاهرها بطالة، لكنها في حقيقتها ضعف في الصلة بين التعليم والتدريب وحاجة الاقتصاد.

لدينا وفرة في الشهادات، لكننا نعاني نقصاً في بعض المهارات. نستثمر سنوات في تعليم الشباب، ثم نكتشف بعد تخرجهم أن السوق لا يحتاج إلى تخصصاتهم بالأعداد نفسها، أو أنه يحتاج إلى قدرات تطبيقية لم يحصلوا عليها خلال الدراسة.

وفي الوقت نفسه، تستعين قطاعات مختلفة بعمالة أجنبية لتوفير خبرات فنية ومهنية لا تتوافر محلياً بالمستوى المطلوب. والقضية ليست رفض هذه العمالة أو اعتبارها سبباً للبطالة؛ فقد تكون ضرورية لبعض المشروعات. المطلوب هو إدارة الحاجة إليها وربطها، كلما أمكن، بتدريب العراقيين ونقل المعرفة وإعداد البديل الوطني.

وهكذا يخسر الاقتصاد مرتين: عندما تبقى قدرات العراقيين معطلة أو تعمل خارج مجالاتها، وعندما يستورد مهارات كان يمكن بناؤها محلياً.

ولا تنعكس هذه الفجوة على البطالة وحدها؛ بل ترفع كلفة تأسيس المشروعات وتشغيلها، وتضعف إنتاجية المؤسسات، وتحد من قدرة القطاع الخاص على التوسع والمنافسة. فالمستثمر لا يحتاج إلى الأرض والتمويل والإعفاءات فقط، وإنما إلى الإنسان القادر على تشغيل المشروع وإدارته وتطويره.

لكن المهارات وحدها لا تخلق الوظائف. فالوظائف تحتاج أيضاً إلى استثمار ونمو اقتصادي وشركات قادرة على التوسع وبيئة أعمال تساعدها على ذلك. غير أن توافر المهارات يجعل الاستثمار أكثر قدرة على خلق فرص العمل واستدامتها.

لذلك، لا يمكن للعراق أن يتحدث بجدية عن تنويع اقتصاده من دون أن يحدد المهارات اللازمة لهذا التنويع. فلا تكفي إقامة المصانع وإطلاق المشروعات إذا لم تتوافر الكفاءات القادرة على تشغيلها، كما لا يكفي تدريب الشباب إذا كان الاقتصاد عاجزاً عن استيعابهم.

من هنا تأتي فكرة الموازنة الوطنية للمهارات.

والمقصود بالموازنة هنا ليس موازنة مالية، بل الموازنة بين ما يمتلكه العراق من قدرات وما يحتاج إليه اقتصاده. إنها أداة وطنية للتخطيط تحدد المهارات المتوافرة، والمهارات التي ستحتاج إليها القطاعات الاقتصادية خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، وحجم الفجوة بين الواقع والاحتياج.

وعلى أساسها يمكن توجيه القبول الجامعي، وتطوير التعليم المهني والتقني، وتصميم برامج التدريب، وتنظيم استقدام العمالة الأجنبية، وربط ذلك كله بأولويات الاستثمار والتنمية.

ولتحويل الفكرة إلى عمل مؤسسي، يحتاج العراق إلى منظومة وطنية لمعلومات المهارات وسوق العمل، تكون المنصة الرقمية إحدى أدواتها وليست غايتها. فالمنصة لا تصنع السياسة، وإنما توفر البيانات اللازمة لصناعتها، ولا قيمة لها إذا لم تنعكس نتائجها على قرارات التعليم والتدريب والاستثمار.

ويفترض أن تصدر عن هذه المنظومة خريطة دورية توضح أماكن توافر المهارات، والمهن التي تعاني نقصاً، والقطاعات المتوقع نمو الطلب فيها، والبرامج التي نجحت فعلياً في نقل المتدرب إلى العمل أو تحسين إنتاجيته ودخله.

ويتطلب ذلك مرجعية وطنية واحدة تقود التنسيق بين مؤسسات التخطيط والتعليم والعمل والقطاع الخاص، وتحول البيانات إلى أهداف ومسؤوليات ومؤشرات قابلة للقياس. فالمشكلة ليست دائماً في نقص المبادرات، بل في تشتتها وغياب المرجعية التي تربطها باتجاه اقتصادي واضح.

ولا يتطلب ذلك بناء منظومة ضخمة دفعة واحدة؛ إذ يمكن البدء بعدد محدود من القطاعات الاقتصادية الأكثر حاجة إلى المهارات، وقياس الفجوات فيها، ثم توسيع التجربة تدريجياً على أساس النتائج.

وهنا يجب أن يتغير مفهوم التدريب. فنجاح البرامج لا يقاس بعدد الدورات أو الشهادات الموزعة، بل بعدد الأشخاص الذين اكتسبوا مهارات مطلوبة وانتقلوا بها إلى فرصة عمل أو مشروع، أو حققوا مستوى أعلى من الإنتاجية والدخل.

أما القطاع الخاص، فيجب أن يكون شريكاً في تحديد الاحتياجات وتصميم البرامج وتوفير التدريب العملي ونقل المعرفة، من دون تحميله التزاماً بتوظيف جميع المتدربين. فالتوظيف لا يُفرض على الشركات، لكنه يصبح أكثر احتمالاً عندما تُبنى المهارات على حاجة حقيقية في السوق.

وهذا التفاوت بين المهارات التي يمتلكها الأفراد وتلك التي يبحث عنها أصحاب العمل لا يحرم الشباب من فرص العمل فقط، بل يتحول مع الوقت إلى عائق أمام الإنتاجية والنمو والاستثمار.

العراق لا يحتاج إلى برنامج تدريبي جديد بقدر حاجته إلى تغيير الطريقة التي يفكر بها في الإنسان: من خريج ينتظر وظيفة، إلى قدرة اقتصادية يجب اكتشافها وتطويرها وربطها بالإنتاج.

المطلوب اليوم هو اعتماد إطار وطني يقيس المهارات كما نقيس الموارد والإنفاق والاستثمار، ويحوّل احتياجات الاقتصاد إلى قرارات في التعليم والتدريب والتشغيل. ويمكن أن يبدأ العراق بإعداد النسخة التجريبية الأولى من الموازنة الوطنية للمهارات في عدد محدود من القطاعات، ثم تطويرها وتوسيعها سنوياً وفقاً للنتائج والمتغيرات الاقتصادية.

فالطرق والمصانع والمشروعات يمكن بناؤها بالمال، لكن الاقتصاد لا يعمل بالمنشآت وحدها؛ بل بالمهارات التي تديرها وتطورها وتضمن استمرارها.

وإذا كانت الموازنة العامة تحدد كيف تنفق الدولة أموالها، فإن الموازنة الوطنية للمهارات تحدد كيف يبني العراق قدرته على الإنتاج؛ لأن ما لا نستثمره من قدرات شبابنا اليوم، سندفع كلفته الاقتصادية والاجتماعية غداً


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 244
أضيف 2026/08/11 - 9:49 AM