
دخلت الأزمة المالية في العراق مرحلة أكثر تعقيداً بعدما تحولت أزمة السيولة من مؤشرات اقتصادية وتحذيرات مالية إلى واقع تعترف به الحكومة نفسها، مع تأخر صرف رواتب عدد من الوزارات، وتراجع قدرة المؤسسات على الإيفاء بالتزاماتها، وبدء انعكاس الأزمة على قطاعات خدمية أساسية، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الرواتب تبقى أولوية لا يمكن المساس بها، بينما تكشف الأرقام عن فجوة متزايدة بين الإيرادات وحجم الإنفاق العام.
أول اعتراف رسمي بحجم الأزمة جاء على لسان وزير المالية فالح الساري الذي أعلن أن الكلفة الشهرية للرواتب تبلغ نحو 7 تريليونات و800 مليار دينار، فيما تمكنت الوزارة من صرف 3 تريليونات دينار لعدد من الوزارات، بينما لا تتجاوز السيولة المتوفرة حالياً تريليوناً ونصف التريليون دينار
وتسعى الوزارة إلى رفعها إلى تريليون و650 مليار دينار لتغطية رواتب المتقاعدين أولاً، في حين يبلغ العجز المالي الحالي نحو 3 تريليونات و300 مليار دينار، في وقت تعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين ما تمتلكه الدولة من سيولة وما تحتاجه شهرياً لتغطية التزاماتها، وهو ما يفسر تأخر صرف الرواتب في عدد من المؤسسات الحكومية.
وفي أكثر التصريحات صراحة، أقر وزير الصحة عبد الحسين الموسوي بأن الحكومة تواجه أزمة سيولة حقيقية، قائلاً: "فلوس ماكو.. همّ الحكومة فقط توفير الرواتب من 1 إلى 29 بالشهر"، موضحاً أن الحاجة الشهرية لتغطية الرواتب تبلغ 10 تريليونات و800 مليون دينار.
ويكشف هذا الرقم عن اختلاف واضح مع ما أعلنته وزارة المالية، ويرجح مراقبون أن يعود ذلك إلى اختلاف آلية الاحتساب، إذ يبدو أن تقديرات وزارة الصحة تشمل رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية والنفقات التشغيلية الأخرى، بينما تتعلق أرقام وزارة المالية بكتلة الرواتب المباشرة.
وأوضح الموسوي أن تراجع إيرادات نافذة بيع العملة إلى ما بين مليار ومليار ونصف المليار دولار شهرياً، بما يعادل نحو 2.2 تريليون دينار، انعكس بصورة مباشرة على تمويل القطاع الصحي، إذ لم تتسلم الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية "كيماديا" سوى 15% فقط من موازنتها السنوية، ما أدى إلى توقف العقود الجديدة، وإيقاف شركات الأدوية شحناتها المتفق عليها، وانخفاض مستوى الخدمات الصحية داخل المستشفيات.
وبهذا الصدد، تكشف بيانات مرصد إيكو عراق أن المشكلة لا تتعلق فقط بانخفاض الإيرادات، بل أيضاً بطبيعة هيكل الموازنة العامة، إذ تستحوذ الرواتب والأجور ورواتب المتقاعدين ومخصصات الرعاية الاجتماعية على نحو 81% من إجمالي الموازنة العامة فيما تمثل النفقات التشغيلية 94% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مقابل 6% فقط للموازنة الاستثمارية.
كما أشار المرصد إلى أن القطاع الزراعي لا يحصل سوى على 0.02% من إجمالي الإنفاق الاستثماري، وهو ما يعكس استمرار ضعف الإنفاق على القطاعات الإنتاجية القادرة على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
في المقابل، قدم المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح رؤية مختلفة، مؤكداً أن العراق لا يواجه حالة إفلاس، وإنما ضائقة مالية يمكن تجاوزها من خلال أدوات التمويل المختلفة.
وأوضح صالح لـ"الاقتصاد نيوز" أن الدولة تمتلك خيارات متعددة، من بينها التمويل المسبق مقابل النفط، والاقتراض من المؤسسات الدولية، واللجوء إلى أسواق رأس المال، فضلاً عن الاستفادة من العلاقات الاقتصادية مع الدول الصديقة
وأكد أن الحكومة تعتمد سياسة انضباط مالي تجعل الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية أولويات لا يمكن المساس بها، معرباً عن تفاؤله بتحسن الإيرادات مع زيادة الصادرات النفطية عبر تركيا.
وتبقى الإيرادات النفطية العامل الأكثر تأثيراً في قدرة الدولة على تجاوز الأزمة، فقد أعلنت وزارة النفط أن مجموع صادرات النفط الخام والمكثفات خلال شهري أيار وحزيران 2026 بلغ 32 مليوناً و114 ألفاً و677 برميلاً، بإيرادات وصلت إلى 2 مليار و335 مليوناً و537 ألفاً و399 دولاراً
ورغم استئناف جزء من الصادرات عبر تركيا، فإن الإيرادات ما زالت تواجه ضغوطاً نتيجة انخفاض الأسعار وتراجع التدفقات النقدية مقارنة بحجم الالتزامات الشهرية للموازنة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام