
تحولت موجة التفاؤل التي دفعت عشرات الشركات المدرجة إلى تحويل ميزانياتها العمومية إلى رهان شبه كامل على بيتكوين إلى اختبار قاسٍ، بعدما فقدت العملة المشفرة نحو نصف قيمتها، لتتكبد تلك الشركات خسائر دفترية بمليارات الدولارات وتواجه ضغوطاً متزايدة من المستثمرين والأسواق.
ووفقاً لما أوردته "بلومبرغ"، فإن عدداً من الشركات التي اعتمدت نموذجاً يقوم على جمع الأموال من المستثمرين أو عبر الاقتراض ثم شراء بيتكوين والاحتفاظ بها، بدأت تواجه تداعيات حادة مع استمرار تراجع أسعار العملة المشفرة، في وقت تعثرت فيه صفقات إدراج جديدة كانت تراهن على النموذج ذاته
من نموذج استثماري إلى اختبار صعب
خلال موجة الصعود القياسية للعملات المشفرة، بدا النموذج بسيطاً ومربحاً؛ إذ تجمع الشركات التمويل ثم تستثمره بالكامل تقريباً في بيتكوين، مع الرهان على استمرار ارتفاع الأسعار.
وسرعان ما تضخمت الأصول المرتبطة بهذا النموذج لتتجاوز 120 مليار دولار، مستفيدة من الزخم الكبير الذي شهدته سوق العملات المشفرة.
لكن مع انعكاس الاتجاه وهبوط بيتكوين بنحو 50%، تراجعت قيمة هذه الأصول إلى نحو 75 مليار دولار، ما أدى إلى خسائر دفترية بعشرات المليارات، وأعاد فتح باب التساؤلات بشأن استدامة هذا النموذج.
الاقتراض ضاعف حجم المخاطر
ولا تكمن المشكلة، بحسب محللين، في امتلاك بيتكوين بحد ذاته، وإنما في أن عدداً من هذه الشركات لم تكتفِ باستخدام أموالها الخاصة، بل لجأت إلى الاقتراض أو إصدار أدوات مالية جديدة لزيادة انكشافها على العملة المشفرة.
وبذلك أصبحت الشركات تواجه مخاطر مزدوجة؛ إذ تستفيد بصورة كبيرة عند ارتفاع الأسعار، لكنها تتعرض لخسائر مضاعفة عندما تتراجع السوق، وهو ما انعكس سريعاً على تقييماتها وأسعار أسهمها.
صفقات إدراج تتعثر
وامتدت تداعيات الهبوط إلى سوق الطروحات العامة، حيث بدأت بعض خطط الإدراج والتوسع تتعثر أو تُلغى بالكامل، بعد تغير شهية المستثمرين وتراجع الإقبال على الشركات التي تعتمد بصورة شبه كاملة على بيتكوين كمصدر رئيسي للقيمة.
ويرى مراقبون أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً تجاه النماذج التي تربط مستقبل الشركة بأداء أصل مالي واحد شديد التقلب.
هل تحولت الشركات إلى محافظ استثمارية؟
ويشير خبراء إلى أن عدداً من الشركات تخلى تدريجياً عن نشاطه التشغيلي الأساسي، ليصبح عملياً أقرب إلى "محفظة بيتكوين" مدرجة في البورصة، وهو ما يزيد حساسية نتائجها لأي حركة في سوق العملات المشفرة.
ويؤكدون أن التنويع يظل أحد أهم مبادئ إدارة المخاطر، بينما يؤدي التركيز الكامل على أصل واحد إلى رفع مستويات التقلب بصورة كبيرة.
الدرس الذي كشفته الأزمة
ويرى محللون أن ما يحدث اليوم يمثل اختباراً حقيقياً للنموذج الذي انتشر بقوة خلال موجة الصعود الأخيرة، إذ إن ربط مستقبل شركة مدرجة بالكامل بأداء أصل واحد عالي المخاطر يجعلها أكثر عرضة للتقلبات الحادة.
وبينما قد تعود هذه الشركات إلى تحقيق مكاسب قوية إذا استعادت بيتكوين مسارها الصاعد، فإن استمرار الضغوط الحالية قد يفرض عليها إعادة النظر في استراتيجياتها التمويلية والاستثمارية، بعدما أثبتت الأزمة أن التحول من شركة تشغيلية إلى "رهان على بيتكوين" قد يحقق مكاسب استثنائية في الصعود، لكنه قد يقود أيضاً إلى خسائر استثنائية عند الهبوط.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام