
يدخل العراق مرحلة مالية استثنائية مع توجه مجلس النواب إلى تشريع قانون الاقتراض والمنح لسنة 2026، في ظل استمرار غياب قانون الموازنة العامة، في خطوة تهدف إلى توفير الغطاء القانوني اللازم لتأمين السيولة وتمويل النفقات الأساسية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والتزامات الدولة.
ورغم اتفاق المسؤولين والخبراء على أن القانون يمثل أداة مؤقتة لضمان استمرار الإنفاق الحكومي، فإن التقديرات تشير إلى أن حجم الاقتراض المحتمل قد يتراوح بين 35 و60 تريليون دينار إذا استمرت الإيرادات النفطية دون المستويات المخطط لها، ما يفتح باب النقاش بشأن انعكاساته على المالية العامة والاقتصاد العراقي.
وأكد رئيس اللجنة المالية النيابية، عدي عواد، أن البرلمان يتجه إلى تشريع مسودة قانون الاقتراض والمنح لسنة 2026، بعد تعذر إقرار الموازنة العامة، موضحاً أن اللجنة المالية ناقشت المشروع مع وزير المالية، فالح الساري، وعدد من المسؤولين، وأنه دخل مرحلة التشريع.
وبحسب عواد، فإن القانون سيمنح الحكومة الغطاء القانوني للاقتراض الداخلي عبر البنك المركزي العراقي، والاقتراض الخارجي من الدول أو المؤسسات المالية الدولية، مع تخويل مجلس الوزراء ووزير المالية صلاحية البحث عن مصادر التمويل، بما يضمن استمرار صرف الرواتب وتسيير مؤسسات الدولة.
وفي موازاة التحرك لتشريع قانون الاقتراض، أعلنت اللجنة المالية أن الحكومة تعتزم إرسال مشروع موازنة عام 2027 إلى مجلس النواب خلال شهر تشرين الأول المقبل.
ورجح عضو اللجنة المالية، جمال كوجر، أن تبلغ قيمة الموازنة المقبلة نحو 200 تريليون دينار، موزعة بواقع 150 تريليون دينار لموازنة البنود، و50 تريليون دينار لموازنة البرامج والمشروعات.
كما كشف عضو اللجنة، حسين الدراجي، عن توجه السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى البدء تدريجياً بتطبيق موازنة البرامج والأداء اعتباراً من عام 2027، في إطار إصلاح إدارة المالية العامة ورفع كفاءة الإنفاق وتنظيم الصرف وتعزيز حماية المال العام.
وكانت اللجنة المالية قد استضافت، في السابع من تموز الجاري، وزير المالية وكبار مسؤولي الوزارة، لبحث تطورات الأوضاع المالية والاقتصادية، وآليات إعداد مشروع الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027، إلى جانب مناقشة أولويات السياسة المالية خلال المرحلة المقبلة.
من جانبه، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن قانون الاقتراض والمنح لا يمثل بديلاً دائماً عن الموازنة، وإنما يعد إجراءً مؤقتاً يهدف إلى ضمان استمرار الإنفاق لحين استكمال الإجراءات الدستورية والتشريعية الخاصة بإقرارها.
وأوضح صالح أن التمويل قد يتم عبر إصدار حوالات أو سندات خزينة تكتتب بها المصارف والمؤسسات المالية المحلية، أو من خلال الاقتراض الخارجي من المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة، إضافة إلى الاستفادة من المنح الدولية بحسب حجم الاحتياجات التمويلية وكلفة الاقتراض والإطار القانوني المنظم لذلك.
وأشار إلى أن تأخر إقرار الموازنة، إلى جانب تقلب أسعار النفط واتساع حجم النفقات، يمثلان من أبرز الأسباب التي تدفع الحكومة إلى البحث عن أدوات تمويل مؤقتة لتغطية النفقات الأساسية وتأمين السيولة اللازمة.
بدوره، رأى الخبير في الشأن الاقتصادي، علي دعدوش، أن قانون الاقتراض يمثل حلاً اضطرارياً لاستمرار عمل الدولة، لكنه لا يمكن أن يحل محل الموازنة العامة، سواء من الناحية القانونية أو الاقتصادية.
وأوضح لـ"الاقتصاد نيوز" أن استمرار انخفاض الصادرات النفطية إلى مستويات تقل عن المعدلات المعتمدة سيجعل القانون موجهاً إلى تغطية فجوة التمويل الشهرية، مقدماً ثلاثة سيناريوهات لحجم الاقتراض المتوقع.
وبحسب تقديرات دعدوش، فإن الاقتراض السنوي قد يبلغ نحو 36 تريليون دينار إذا كانت فجوة التمويل الشهرية بحدود 3 تريليونات دينار، ويرتفع إلى 48 تريليون دينار عند بلوغ العجز الشهري 4 تريليونات دينار، فيما قد يتجاوز 60 تريليون دينار إذا وصلت الفجوة إلى 5 تريليونات دينار شهرياً.
وأشار إلى أن الحجم الفعلي للاقتراض سيبقى مرتبطاً بعدة متغيرات، أبرزها أسعار النفط، وحجم الصادرات النفطية، والإيرادات غير النفطية، فضلاً عن قيمة المنح الخارجية المحتملة.
وحذر دعدوش من أن التوسع في الاقتراض قد يؤدي إلى ارتفاع الدين العام وزيادة كلفة خدمته مستقبلاً، سواء عبر تسديد أصل الدين أو الفوائد، بما يحد من قدرة الحكومات المقبلة على توجيه الإنفاق نحو القطاعات التنموية.
كما أشار إلى احتمال لجوء الحكومة بصورة غير مباشرة إلى تمويل العجز عبر الجهاز المصرفي في حال تعذر الحصول على الاقتراض الداخلي أو الخارجي، وهو ما قد يزيد الضغوط النقدية ويضع البنك المركزي أمام تحديات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي.
وأضاف أن زيادة إصدار السندات الحكومية قد تدفع المصارف إلى توجيه سيولتها نحو تمويل الحكومة باعتبارها أقل مخاطرة، بدلاً من تمويل القطاع الخاص، بما ينعكس على حجم الاستثمار والإنتاج وفرص النمو الاقتصادي.
وتشمل المخاطر المحتملة أيضاً ارتفاع كلفة الاقتراض مستقبلاً في حال تراجع التصنيف الائتماني للعراق، إلى جانب تعميق الهشاشة المالية وتأجيل الإصلاحات الاقتصادية التي تستهدف تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن قانون الاقتراض يمثل أداة مؤقتة لضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة وتأمين الرواتب والخدمات الأساسية، يرى مختصون أن نجاح هذه الخطوة يبقى مرتبطاً بتحديد سقف واضح للاقتراض وأوجه الإنفاق، بالتوازي مع الإسراع في إقرار الموازنة وتنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية توسع الإيرادات غير النفطية وتحد من تراكم الديون في السنوات المقبلة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام