
بعد نزاع مرير استمر لأكثر من عشرين عاماً، تلقت الخطوط الجوية العراقية، بحسب وثائق ومصادر حصرية لـ”العالم الجديد”، ضربة مالية موجعة، حيث قضت محكمة مصرية برفض طعنها ضد شركة “هورس” المصرية. هذا القرار يثبّت غرامة تاريخية تقترب من مليار دولار مع الفوائد، مما دفع الشركة العراقية للتحوط سريعاً وبدء تصفية أصولها في مصر، وعلى رأسها بيع مبناها الرئيسي بوسط القاهرة خشية الحجز عليه.
عشرون عاما من النزاع القضائي
وتظهر وثائق حصرية، أن النزاع يدور بين الشركة العامة للخطوط الجوية العراقية وشركة “هورس” المصرية للسياحة والسفر، والتي كانت تتولى بموجب عقد أُبرم في 15 آذار مارس 2001 مهام الوكيل العام للخطوط الجوية العراقية في جمهورية مصر العربية، قبل أن يُفسخ العقد بعد عام 2003، لتبدأ بعدها سلسلة من المنازعات القضائية والتحكيمية استمرت أكثر من عشرين عاماً.
صور من ملحق عقد الوكالة بين هورس والخطوط العراقية
وبحسب الوثائق، فإن العقد منح الشركة المصرية صلاحيات واسعة في إدارة أعمال الخطوط الجوية العراقية داخل مصر، شملت التسويق والحجوزات والتشغيل وإدارة المكتب، مقابل تحملها نفقات تشغيلية وإدارية مقابل عمولات وحقوق مالية منصوص عليها في العقد وملحقاته.
وتشير الوثائق إلى أن الخلاف بين الطرفين انتقل لاحقاً إلى التحكيم التجاري، قبل أن تُشكّل لجنة عراقية- مصرية مشتركة ضمت مسؤولين ومستشارين وقضاة من الجانبين لبحث الملف، مع التشديد على سرية الاجتماعات ومنع تداول أي وثائق أو معلومات تتعلق بأعمال اللجنة خارج إطارها.
بيان رسمي بعد الحكم
وكانت وزارة العدل قد أصدرت في أيلول سبتمبر 2023 بياناً مطولاً أوضحت فيه أن الخطوط الجوية العراقية أنهت الوكالة مع شركة “هورس” عام 2005 بسبب عدم تنفيذ الشركة لبنود العقد، فيما لجأت الأخيرة إلى التحكيم استناداً إلى أحد بنود الاتفاق.
وأضافت الوزارة، أن الحكومة العراقية شكّلت فريقاً قانونياً، وكلفت عدداً من المحامين المصريين للدفاع عن العراق، وقدمت دفوعاً تتعلق ببطلان العقد وصحة إنهائه، كما أشارت إلى أن شركة “هورس” وضعت لاحقاً تحت التحفظ من قبل القضاء المصري، وأن الحكومة بذلت جهوداً قانونية ودبلوماسية لمعالجة النزاع، بما في ذلك تدخلات على مستوى رئاسة الوزراء مع الجانب المصري.
وأكد البيان، أن هيئة التحكيم أصدرت في 26 تموز يوليو 2023 حكماً بإلزام وزارة النقل والشركة العامة للخطوط الجوية العراقية بدفع مبلغ يزيد على 787 مليون دولار إضافة إلى الفوائد، فيما أعلنت الحكومة آنذاك شروعها بإقامة دعوى لإبطال الحكم أمام القضاء المصري.
صورة من رد الطعن العراقي
ماذا تكشف الوثائق الجديدة؟
إلا أن الوثائق تظهر تطوراً لاحقاً في القضية، إذ تتضمن شهادة رسمية صادرة عن محكمة النقض المصرية بتاريخ 3 حزيران يونيو 2026، تشير إلى أن المحكمة نظرت في الطعن المقدم من الجانب العراقي على الحكم، وانتهت إلى رفض الطعن، مع إلزام الطاعنين بالمصروفات ومصادرة الكفالة.
كما تتضمن نسخة من حكم التحكيم الذي قسم المبالغ المحكوم بها إلى ثلاثة بنود رئيسية، شملت تعويضات مالية وأرباحاً فائتة وأضراراً أخرى، بإجمالي يتجاوز 800 مليون دولار، فضلاً عن فوائد سنوية بنسبة 5 بالمئة على أجزاء من تلك المبالغ وفق التواريخ المحددة في منطوق الحكم، إضافة إلى مصاريف وأتعاب التحكيم.
وتعيد الوثائق إحياء تساؤلات تتجاوز قيمة الحكم المالي، لتطال طريقة إدارة العقود الخارجية وآليات الدفاع القانوني عن الدولة، ومدى كفاءة الفرق التي أدارت واحداً من أكبر النزاعات التي واجهتها الخطوط الجوية العراقية خلال العقود الأخيرة.
السوداني والسيسي
ويكشف مصدر مطلع، أن “رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني دخل على خط الأزمة خلال إحدى زياراته إلى القاهرة، وطرح ملف النزاع مع شركة هورس خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، طالباً فتح باب التباحث مع الجهات المعنية للوصول إلى معالجة تجنب العراق تداعيات الحكم المالي الكبي
ويضيف المصدر، أن “الرئيس المصري أوضح خلال اللقاء أن القضية أصبحت منظورة أمام القضاء، وأن السلطة التنفيذية لا تستطيع التدخل في مسارها أو التأثير في قرارات المحاكم، ما أبقى الخيارات محصورة بالمسارات القانونية أو التفاوض المباشر على تسوية مالية مقبولة بين الأطراف المعنية”.
وبحسب المصدر، فإن “الخطوط الجوية العراقية اتجهت خلال الفترة الماضية إلى تصفية الجزء الأكبر من ممتلكاتها وأصولها داخل مصر، تحسباً لاحتمال تعرضها لإجراءات حجز أو تنفيذ بعد تطورات القضية، إذ باعت خلال العام الماضي بنايتها الرئيسية الواقعة في منطقة وسط القاهرة، بالقرب من ميدان طلعت حرب، والتي كانت تمثل أحد أبرز أصولها هناك”، مضيفاً أنها “نقلت نشاطها لاحقاً إلى مكتب مستأجر في شارع البطل أحمد عبد العزيز بمحافظة الجيزة”.
مفاوض عراقي “غير متخصص“
من جهته، يقول الخبير في شؤون الطيران فارس الجواري إن “النزاعات المرتبطة بالتحكيم الدولي لا تُدار بالخبرة القانونية التقليدية وحدها، وإنما تحتاج إلى فرق تفاوض تمتلك خبرة متخصصة في عقود الطيران والقانون التجاري الدولي وآليات التحكيم”.
ويضيف الجواري، أن “أي مؤسسة تدخل في نزاع دولي بهذا الحجم ينبغي أن تضم إلى فريقها القانوني مختصين متمرسين في الاتفاقيات الدولية وصياغة العقود والنزاعات العابرة للحدود، لأن مثل هذه القضايا تُحسم أحياناً بتفاصيل قانونية دقيقة أكثر مما تُحسم بالوقائع العامة”، مبيناً أن “إدارة هذا النوع من الملفات تتطلب خبرة تراكمية في التحكيم الدولي، وليس مجرد تمثيل قانوني اعتيادي”.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام