
د. هيثم حميد مطلك المنصور / خبير اقتصادي
يحتدم الجدل هذه الأيام حول موضوع حصة العراق داخل أوبك، لينصرف إلى سؤال مباشر: هل ينبغي للعراق أن يبقى في المنظمة أم أن يخرج منها؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، قد يكون مضللًا لأنه يفترض أن المشكلة تكمن في أوبك نفسها، بينما تشير أدوات التحليل الاقتصادي إلى أن القضية أكثر تعقيدًا. فالقرار لا يتعلق بحجم الإنتاج وحده، بل بوظيفة النفط داخل الاقتصاد العراقي، وبكيفية تفاعل سوق النفط العالمية مع قرارات المنتجين الكبار.
لذا يطرح السؤال الآتي: هل يمثل النفط العراقي سلعة أم أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي؟
إذا نظرنا إلى النفط بوصفه سلعة فقط، فإن المنطق الاقتصادي الجزئي يقود إلى نتيجة واضحة؛ إذ ينبغي للمنتج الذي يمتلك تكلفة إنتاج منخفضة واحتياطيات كبيرة أن يزيد إنتاجه كلما استطاع، لأن ذلك يرفع إيراداته ويزيد حصته السوقية ويعزز كفاءته الإنتاجية من خلال وفورات الحجم (Economies of Scale) فارتفاع حجم الإنتاج يخفض من الكلفة الكلية . ومن هذه الزاوية يبدو أن القيود الإنتاجية التي تفرضها أوبك تقلل من الكفاءة الاقتصادية للعراق وتحرم الاقتصاد من استغلال كامل طاقته الإنتاجية.
لكن هذا التحليل من جهة أخرى يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن العراق ليس شركة نفط، وإنما دولة. والدولة لا يمكن لها الاعتماد على تعظيم دالة أرباح قطاع واحد فحسب، بل ينبغي ان تلجأ الى تعظيم دالة استقرار الاقتصاد بأكمله.
فعلى مستوى المنطق الاقتصادي الكلي، يتحول النفط من سلعة إلى مرساة مالية ونقدية (Fiscal and Monetary Anchor). فهو المصدر الرئيس لتمويل الموازنة، والمصدر الرئيس للعملة الأجنبية، والضامن لاستقرار سعر الصرف، والممول الأساس للاحتياطيات الأجنبية.
وعند هذه النقطة تصبح فاعلية السياسة الكلية مختلفًة، كونها لا تعود الى حجم الإنتاج المصدر، وإنما الى درجةالاستقرار الذي توفره الإيرادات النفطية للاقتصاد الوطني.
ومن هنا يمكن فهم سبب قبول بعض الدول بخفض إنتاجها رغم امتلاكها قدرة على زيادته، لأن خسارة جزء من الكمية قد تكون أقل تكلفة من انهيار الأسعار.
وفي هذا المضمار يطرح السؤال الثاني: هل يوفرالخروج من أوبك حرية اقتصادية أم ينقل العراق من إدارة السوق إلى الخضوع لها؟
في ظاهر الامر قد يبدو الخروج من أوبك وكأنه تحرير للقرار النفطي العراقي، لكن الاقتصاد المؤسسي يطرح إشكالية مهمة وهي: ما قيمة هذه الحرية إذا كانت لا تمنح القدرة على التأثير في السوق؟
فالعراق، منفردًا، لا يستطيع تحديد السعر العالمي للنفط، لكنه داخل أوبك يشارك في مؤسسة تمتلك قدرة نسبية على التأثير في جانب العرض العالمي.
وهنا تظهر المفارقة. فالخروج يمنح العراق حرية الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه يفقده جزءًا من القوة التفاوضية الجماعية. أي أن العراق ينتقل من شريك في إدارة السوق إلى متلقٍ لنتائجها.
ومن منظور تحليل (نظرية الألعاب) ، فإن أوبك تمثل اتفاقًا تعاونيًا لتجنب ما يسمى المنافسة التدميرية (Destructive Competition). فكل دولة تمتلك حافزًا لزيادة إنتاجها، لكن إذا استجابت جميع الدول لهذا الحافز، ينشأ فائض في المعروض يؤدي إلى انخفاض الأسعار، فتكون النتيجة النهائية أسوأ لجميع المنتجين.
وهذه ليست فرضية نظرية، بل حدثت مرارًا في تاريخ سوق النفط عندما تحولت المنافسة على الحصة السوقية إلى حروب أسعار أضرت بالجميع. إذن، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يعزز العراق إنتاجه الى كمية أكبر؟ بل: هل يستطيع بيعها بسعر يحقق منفعة اقتصادية أعلى؟
مما سبق يتبلور السؤال الثالث: هل تكمن المشكلة في أوبك أم في الاقتصاد العراقي؟
هذا هو السؤال الذي غالبًا ما يتم تجاهله. فلو كان النفط يشكل 30% فقط من إيرادات الدولة، لما أصبحت الحصص الإنتاجية قضية وجودية. ولو كان الاقتصاد العراقي يمتلك قاعدة صناعية وزراعية وخدمية متطورة، لما أدى انخفاض أسعار النفط إلى اضطراب المالية العامة أو الضغط على سعر الصرف. ولو كانت الإيرادات النفطية تتحول إلى أصول إنتاجية وصندوق سيادي واستثمارات طويلة الأجل، لما أصبح كل دولار ينخفض من سعر البرميل أزمة اقتصادية.
إذن، فإن حساسية العراق تجاه قرارات أوبك لا تعود إلى أوبك نفسها، بل إلى الهشاشة الهيكلية للاقتصاد العراقيوانكشافه على الصدمات الخارجية.
فمما لاشك فيه ان الاقتصاد الريعي يجعل الدولة تعتمد على متغير خارجي، وهو السعر العالمي للنفط، بينما الاقتصادات المتنوعة تعتمد بصورة أكبر على متغيرات داخلية تنتجها داخل حدودها، كالصناعة، والزراعة، والسياحة ،والابتكار، الى أخرها من الصادرات غير النفطية.
ومن هنا فإن النقاش حول الحصص النفطية يقود، في جوهره، الى نقاش أعمق حول طبيعة نموذج التنمية في العراق.
لذا فإن تقييم العلاقة بين العراق وأوبك لا يمكن أن ينطلق من سؤال: كم برميلًا يستطيع العراق أن ينتج؟ بل من سؤال أكثر أهمية: ما القيمة الاقتصادية التي يستطيع العراق أن يخلقها من كل برميل؟ فالبرميل الذي يُصدر لتمويل الإنفاق الجاري يختلف اقتصاديًا عن البرميل الذي يتحول إلى مصنع أو ميناء أو جامعة أو شبكة نقل أو استثمار تكنولوجي. الأول يحقق إيرادًا مؤقتًا، اما الثاني فيخلق قدرة إنتاجية تستمر حتى بعد نضوب النفط بما يولده من ثروة وطنية .
لذلك فإن معركة العراق الحقيقية ليست مع أوبك، وليست حول الحصص الإنتاجية، بل مع النموذج الريعي الذي جعل الاقتصاد أسيرًا لسعر سلعة واحدة.
ان من صفوة القول: عندما يتحول النفط من غاية إلى وسيلة، ومن مصدر للإنفاق إلى مصدر لتكوين رأس المال، سيتراجع الجدل حول البقاء أو الخروج من أوبك، لأن قوة الاقتصاد لن تُقاس عندئذٍ بحجم الصادرات، بل بقدرته على إنتاج الثروة خارج القطاع النفطي. في ضوء سياسة نفطية ناجحة، واستراتيجية تنموية طويلة الاجل.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام