
تمضي الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان باتجاه مرحلة جديدة من التنسيق الاقتصادي عبر مشروع توحيد الأنظمة والإجراءات الجمركية في جميع المنافذ الحدودية، في خطوة ينظر إليها على أنها واحدة من أبرز محطات الإصلاح المالي والإداري خلال السنوات الأخيرة، لما تحمله من آثار مباشرة على الإيرادات العامة وحركة التجارة وبيئة الاستثمار.
وشهدت بغداد خلال الأيام الماضية اجتماعات مشتركة بين هيئة المنافذ الحدودية والهيئة العامة للكمارك وهيئة كمرك إقليم كوردستان، بحضور ممثلين عن الجهات القطاعية المعنية، لمناقشة آليات توحيد التعرفة الجمركية وتطبيق نظام "الأسيكودا" الإلكتروني في جميع المنافذ الحدودية، إلى جانب بحث ملفات الإعفاءات الجمركية وقوائم المنع والتقييد وإجراءات التقييس والسيطرة النوعية والفحص الإشعاعي والالتزام بالرزنامة الزراعية ومعالجة المنافذ غير الرسمية وتوحيد الإجراءات الضريبية.
وأكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر عدنان الوائلي خلال الاجتماع أهمية التعامل مع الملفات المطروحة بروح إيجابية، مع إعطاء الأولوية لتسهيل حركة التجارة بين الإقليم والمحافظات العراقية، مشيراً إلى أن توحيد الإجراءات من شأنه تقليل الأعباء على السائقين والتجار وتحقيق انسيابية أكبر في حركة البضائع بما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي.
ويأتي هذا الحراك الحكومي في إطار توجه أوسع نحو رقمنة العمل الجمركي وتوحيد السياسة التجارية في عموم البلاد، خصوصاً مع توسع تطبيق نظام "الأسيكودا" الذي طورته الأمم المتحدة عبر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، ويعد من أكثر الأنظمة الجمركية استخداماً في العالم لإدارة عمليات الاستيراد والتصدير والترانزيت وأتمتة الإجراءات الجمركية ورفع كفاءة الجباية والرقابة.
وفي هذا السياق، أكد وزير المالية فالح ساري أن توحيد الأنظمة والإجراءات الجمركية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان يمثل خطوة استراتيجية مهمة ضمن مسار الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الإيرادات غير النفطية، مشدداً على أهمية تطبيق نظام "الأسيكودا" في المراكز الجمركية التابعة للإقليم لما يوفره من أدوات رقابية وإدارية متطورة تسهم في تطوير الأداء الجمركي وتعزيز الرقابة الإلكترونية.
وأوضح أن الاجتماعات المشتركة ناقشت آليات تطبيق النظام المعتمد حالياً في المنافذ الاتحادية واستعرضت النتائج المتحققة في مجال التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات، فضلاً عن بحث سبل توحيد البيانات والإجراءات الجمركية بين بغداد وأربيل بما ينسجم مع المعايير الدولية ويعزز الشفافية ويرفع كفاءة إدارة المنافذ الحدودية.
وتؤكد الحكومة أن تطبيق النظام الإلكتروني الموحد سيسهم في الحد من حالات التهرب الجمركي وتعظيم الإيرادات غير النفطية وإحكام الرقابة على حركة البضائع الداخلة والخارجة، وهو ما دفع الجانبين إلى توقيع محضر مشترك يتضمن مجموعة من التوصيات والإجراءات التنفيذية الخاصة بتطبيق النظام في المراكز الجمركية التابعة لإقليم كوردستان، تمهيداً لرفعه إلى المجلس الوزاري للاقتصاد لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل موافقة حكومة إقليم كوردستان على تطبيق نظام "الأسيكودا"، حيث أكد رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني في وقت سابق عدم وجود أي ممانعة لدى الإقليم لتطبيق النظام، مع طلب مهلة فنية تصل إلى نحو تسعة أشهر لاستكمال متطلبات البنية التحتية اللازمة لتنفيذه.
ويرى المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن توحيد الأنظمة الجمركية بين الحكومة الاتحادية والإقليم يمثل خطوة استراتيجية ضمن مشروع الإصلاح الاقتصادي والمالي، موضحاً أن أهميته لا تقتصر على الجانب الإداري فحسب، بل تمتد إلى بناء سياسة تجارية موحدة وتعزيز قدرة الدولة على إدارة مواردها غير النفطية بكفاءة أعلى.
وقال صالح إن توحيد الأنظمة الجمركية سيسهم في الحد من حالات التهرب الجمركي الناتجة عن اختلاف الإجراءات والتعرفة بين المنافذ، فضلاً عن توحيد قواعد البيانات الخاصة بحركة الاستيراد والتصدير، الأمر الذي يوفر معلومات أكثر دقة لصناع القرار ويساعد على رسم سياسات اقتصادية ومالية أكثر كفاءة.
وأضاف أن نجاح المشروع يتطلب اعتماد أنظمة إلكترونية موحدة للجباية والتخليص الجمركي وربط جميع المنافذ الحدودية بقاعدة بيانات مركزية تسمح بتتبع حركة البضائع بشكل لحظي، إلى جانب تفعيل الرقابة والتدقيق المشترك وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية في الحكومة الاتحادية والإقليم.
وأشار صالح إلى أن توحيد الأنظمة الجمركية سيدعم زيادة الإيرادات غير النفطية من خلال توسيع الوعاء الجمركي وتقليل التسرب المالي وإغلاق الثغرات التي كانت تسمح باختلاف الرسوم أو ازدواجية الإجراءات، مبيناً أن ذلك سيحقق عدالة أكبر في استيفاء الرسوم والضرائب على المستوردات ويعزز موارد الخزينة العامة ويحد من الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية.
ولا تقتصر المكاسب المتوقعة على الجانب المالي فقط، إذ يرى مختصون أن توحيد الإجراءات الجمركية بين بغداد وأربيل سيؤدي إلى تقليص الوقت والكلفة المرتبطين بانتقال البضائع داخل العراق، ويعزز مبدأ وحدة السوق الوطنية ويمنح المستثمرين رؤية أوضح وأكثر استقراراً بشأن بيئة الأعمال، فضلاً عن تقليل التعقيدات التي تواجه التجار والمستوردين عند انتقال البضائع بين الإقليم والمحافظات الأخرى.
كما أن نجاح هذا المشروع سيسهم في تعزيز الثقة بالاقتصاد العراقي أمام المؤسسات الدولية والشركات الأجنبية، خصوصاً مع توجه العراق نحو توسيع التجارة الإقليمية وتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات النقل والخدمات اللوجستية.
وفي ظل التحديات المالية التي تواجه الاقتصادات المعتمدة على النفط، تبدو خطوة توحيد الأنظمة الجمركية بين بغداد وأربيل جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، يعتمد على تطوير الإيرادات غير النفطية وتحسين الإدارة المالية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة المنافذ الحدودية، بما يعزز كفاءة الدولة ويرسخ وحدة السوق العراقية على أسس أكثر تنظيماً وشفافية.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام