بانياس على خط النفط العراقي.. بغداد تبحث عن منفذ بديل بعيداً عن هرمز

الاقتصاد نيوز - بغداد

يتجه العراق نحو مرحلة جديدة في إدارة صادراته النفطية عبر توسيع منافذ التصدير باتجاه الأراضي السورية، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية في الخليج العربي وتعزيز أمن الطاقة والصادرات في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.

ويأتي هذا التوجه في وقت يستعد فيه العراق لبدء تصدير نحو 50 ألف برميل يومياً من النفط الخام عبر الأراضي السورية اعتباراً من شهر تموز المقبل، إلى جانب تصدير مادة "النفتا"، ضمن خطة أوسع لتنويع منافذ التصدير وضمان استمرار تدفق النفط العراقي إلى الأسواق العالمية في مختلف الظروف.

 

وفي وقت سابق، بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع وزير النفط العراقي السابق حيان عبد الغني تعزيز التعاون المشترك في قطاع الطاقة، حيث أشاد الجانبان بالجهود المبذولة لبدء تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، كما ناقشا إمكانية توريد الغاز المنزلي إلى سوريا وإعادة تأهيل خطوط نقل النفط، وفي مقدمتها خط كركوك – بانياس.

وأكد الجانب العراقي خلال الاتصال أن التعاون النفطي مع سوريا يمثل خياراً استراتيجياً طويل الأمد وليس إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بالأوضاع الراهنة، في حين تواصل دمشق العمل على تطوير بنيتها التحتية النفطية واستعادة دورها كممر إقليمي لحركة الطاقة.

وتعزز هذه الخطوات ما جرى بحثه خلال اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الوزراء علي الزيدي بالمبعوث الأمريكي إلى العراق توم براك في بغداد، حيث ناقش الجانبان تمكين الشركات الأمريكية HKN وWestern Zagros وHunt من استئناف أعمالها في العراق مع توفير الضمانات الأمنية اللازمة، فضلاً عن المضي في مذكرة التفاهم الموقعة مع شركة TI Capital لإعادة تأهيل وتطوير مسار تصدير النفط عبر خط كركوك – بانياس، الذي يعد أحد أهم المشاريع الاستراتيجية المطروحة لتنويع منافذ التصدير العراقية.

وبحسب ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤولين عراقيين وسوريين ومصادر في قطاع الطاقة، فإن بغداد تنظر إلى المسار السوري باعتباره خياراً استراتيجياً طويل الأمد، وليس حلاً مؤقتاً مرتبطاً بالتوترات الإقليمية الحالية أو بالمخاطر التي تواجه حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأكد مسؤولون في وزارة النفط العراقية أن خطط تنويع طرق تصدير الخام والوقود ستستمر حتى بعد عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، في إطار سياسة تهدف إلى تقليل الاعتماد على منفذ تصدير واحد.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة النفط سليم الركابي إن الحكومة العراقية ووزارة النفط توليان موضوع تنويع منافذ التصدير، ولا سيما عبر الأراضي السورية، أهمية قصوى، مشيراً إلى أن شركة تسويق النفط العراقية (سومو) تواصل مناقشاتها وتعاونها مع الجانب السوري لتوسيع عمليات التصدير من خلال هذا المسار.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن سوريا تعمل بالتوازي على رفع قدراتها التشغيلية لاستقبال الكميات العراقية المتزايدة، إذ أعلنت وزارة الطاقة السورية عزمها افتتاح منطقتين إضافيتين لتفريغ النفط في ميناء بانياس إلى جانب مرافق خدمية جديدة، فيما أكد مسؤولون سوريون أن الميناء قادر حالياً على استقبال وتفريغ ما يصل إلى 900 شاحنة صهريج يومياً.

كما رفعت الشركة السورية للبترول خلال الأشهر الماضية الطاقة التشغيلية لتفريغ الصهاريج العراقية في مصفاة بانياس بنسبة 30% بعد تشغيل ساحات تفريغ جديدة وتحسين مسارات الضخ المباشر إلى الخزانات، الأمر الذي رفع عدد الصهاريج المفرغة يومياً إلى نحو 500 صهريج، بما يعادل قرابة 120 ألف برميل يومياً.

ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن الطريق نحو بناء مسار تصديري مستدام عبر سوريا لا يخلو من التحديات. فالبنية التحتية البرية ما تزال تواجه ضغوطاً لوجستية كبيرة نتيجة الأضرار التي لحقت بشبكات الطرق خلال سنوات الحرب، فضلاً عن الازدحامات الطويلة التي تشهدها الطرق المؤدية إلى ميناء بانياس، إضافة إلى بعض الحوادث التي سجلت خلال عمليات النقل وتسرب الوقود في مناطق مختلفة.

في المقابل، يرى خبراء الطاقة أن هذه التحديات تبقى أقل كلفة من المخاطر التي قد تترتب على الاعتماد الكامل على الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز كممر وحيد لصادرات النفط العراقية.

ويؤكد الخبير في شؤون الطاقة كوفند شيرواني أن الأحداث الأخيرة أظهرت أهمية وجود منافذ تصدير بديلة، موضحاً أن العراق فقد بعد توقف التصدير عبر موانئ البصرة ما يصل إلى 3.3 ملايين برميل يومياً، وهي كمية تمثل نحو 94% من إجمالي صادراته النفطية.

وقال شيرواني لـ"الاقتصاد نيوز"، إن المنفذ المؤمّن المتبقي حالياً يتمثل بخط الأنابيب الواصل إلى ميناء جيهان التركي، إلا أن الكميات المنقولة عبره لا تتجاوز نحو 250 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل 7% فقط من إجمالي الصادرات، رغم أن طاقته التصميمية يمكن أن تصل إلى مليون برميل يومياً في حال استكمال المتطلبات الفنية اللازمة.

وأضاف أن تطوير الخط الشمالي وربطه بالإنتاج القادم من المحافظات الجنوبية يمكن أن يسهم في نقل جزء كبير من نفط البصرة إلى ميناء جيهان ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أهمية إيجاد منفذ إضافي عبر سوريا.

وأشار شيرواني إلى أن أهمية مشروع بانياس لا ترتبط فقط بإعادة إحياء خط كركوك – بانياس التاريخي، بل بإنشاء أي خط نفطي جديد يصل إلى الساحل السوري ويمنح العراق مرونة أكبر في إدارة صادراته. ولفت إلى أن الخط القديم أصبح خارج الخدمة بشكل كامل، إلا أن هناك إمكانية لإنشاء مسار جديد يبدأ من منطقة حديثة في محافظة الأنبار ضمن مشروع مقترح لمد أنبوب من البصرة إلى حديثة، ثم ربطه باتجاه سوريا أو الأردن أو حتى الشبكة الشمالية.

وبيّن أن تكلفة إنشاء الجزء السوري من المشروع قد تتراوح بين 6 و8 مليارات دولار، فيما يحتاج التنفيذ إلى مدة لا تقل عن سنتين، لكنه اعتبر أن العوائد الاستراتيجية للمشروع تفوق كلفته المالية نظراً لما يوفره من حماية للصادرات النفطية العراقية مستقبلاً.

ويصدر العراق عادة نحو 3.6 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، ما يجعل ملف تنويع منافذ التصدير أحد أهم الملفات الاستراتيجية المرتبطة بأمن الاقتصاد العراقي، خاصة أن الإيرادات النفطية تمثل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة.

ولذلك ينظر المختصون إلى التوسع في استخدام المسار السوري، إلى جانب تطوير خط جيهان التركي ومشاريع خطوط الأنابيب المستقبلية، بوصفه جزءاً من رؤية أوسع لبناء منظومة تصدير أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات الجيوسياسية والاضطرابات الإقليمية التي قد تهدد تدفق النفط العراقي إلى الأسواق العالمية.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 60
أضيف 2026/06/20 - 11:01 AM