الاقتصاد نيوز - بغداد
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى مشاكل في صادرات النفط العراقية. إن التحرك نحو تطوير صناعات البتروكيماويات، بالإضافة إلى تقليل الحاجة إلى استيراد المنتجات البتروكيماوية، سيؤدي إلى توسيع سلة الصادرات العراقية في الأسواق العالمية.
مر أكثر من شهرين على العدوان العسكري للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على الأراضي الإيرانية، وخلال هذه الفترة، تحول مضيق هرمز إلى خط المواجهة البحرية بين الطرفين. فرضت إيران سيطرة عسكرية على هذا الممر المائي، وجعلت عبور السفن مشروطاً بالحصول على إذن من قواتها البحرية، وبدأت أمريكا أيضاً حصاراً بحرياً. نتيجة هذه المواجهة الثنائية هي قيود شديدة على حركة السفن في أحد أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم.
في الوقت الذي واجهت فيه البلاد قيوداً جدية على بيع النفط طوال هذه الفترة، فإن هذه الأزمة، على الرغم من التهديدات الجدية للعراق، يمكن أن تكون فرصة فريدة للتحول الهيكلي في اقتصاد البلاد. توضيح إضافي هو أن تصدير النفط الخام، على الرغم من أنه أرخص وأسهل طريقة للاستفادة من الموارد النفطية، إلا أنه جعل اقتصاد البلاد أحادي المنتج ويعتمد على النفط. وهو أمر قد يلحق أضراراً لا يمكن إصلاحها باقتصاد البلاد في المستقبل في حال انخفاض احتياطيات النفط العراقية أو انخفاض حاجة العالم للنفط. في الوضع الحالي الذي يواجه فيه العراق قيوداً على تصدير النفط، أحد الحلول المهمة هو أن تقوم الحكومة، من خلال إنشاء وتوسيع صناعة البتروكيماويات داخل البلاد، بتوفير الظروف لإنتاج المنتجات البتروكيماوية مثل المواد البلاستيكية (النايلون والزجاجات)، إطارات السيارات، الأسمدة الكيماوية، الدهانات والمواد اللاصقة، المنظفات، وآلاف المنتجات الأخرى. يمكن أن يصبح بناء صناعات البتروكيماويات محركاً لاقتصاد البلاد ويترك آثاراً إيجابية كثيرة على الاقتصاد العراقي:
1- تقليل الواردات والاكتفاء الذاتي: وفقاً لإحصائيات عالمية موثوقة، أنفق العراق في عام 2024 أكثر من 2.5 مليار دولار على استيراد المنتجات البتروكيماوية فقط. في حال تطوير صناعات البتروكيماويات في البلاد، يمكن تلبية احتياجات الناس من هذه المنتجات من خلال الإنتاج المحلي وتوفير العملات الأجنبية وإنفاقها على تحديث الصناعات النفطية وتطوير شبكات النقل في البلاد بما في ذلك الطرق والسكك الحديدية والموانئ.
2- زيادة الصادرات وتعزيز اقتصاد البلاد: يقلل إنتاج المنتجات البتروكيماوية من الاعتماد الاقتصادي للبلاد على بيع النفط الخام ويوفر الظروف للتحرك نحو تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى. كما أن التنوع الواسع للمنتجات البتروكيماوية يخلق إمكانيات أكبر للتواجد في الأسواق الدولية ويمكن أن يزيد بشكل كبير من إيرادات العملات الأجنبية للبلاد.
3- زيادة معدل التوظيف في البلاد: العراق بلد يمتلك عدداً كبيراً من الشباب مقارنة بالعديد من دول العالم. يمثّل الشباب في العراق حالة مزدوجة تجمع بين الفرصة والتحدّي. الفرصة هي استخدام هذا الشباب لتنمية الاقتصاد والصناعة في البلاد، أما التهديد فهو عدم وجود فرص عمل كافية لهذا الشباب، وبالتالي زيادة السرقة وارتفاع معدل الإدمان بين الشباب. في العامين الماضيين، نُظمت العديد من التجمعات احتجاجاً على البطالة في مدن عراقية مختلفة مثل بغداد والبصرة والناصرية. تشير التقارير الإخبارية إلى أن حضور الشباب، وخاصة الشباب المتعلم العاطل عن العمل، كان بارزاً جداً في هذه التجمعات. يمكن أن يكون بناء صناعات البتروكيماويات في البلاد نقطة بداية لحل مشكلة توفير فرص العمل لبعض الشباب العراقيين. فوفقاً للمعايير العالمية، تخلق منشأة بتروكيماوية متوسطة ما يقرب من 2 إلى 5 آلاف وظيفة مباشرة و15 إلى 25 ألف وظيفة غير مباشرة.
يجب على الحكومة، في سعيها لبناء صناعات البتروكيماويات، الاستفادة من تجربة الدول المجاورة. على سبيل المثال، تمكنت إيران في السنوات الأخيرة، باستخدام المعرفة المحلية المتقدمة، من بناء العديد من مصانع البتروكيماويات، وفي عام 2024، حققت 15 مليار دولار من عائدات صادرات المنتجات البتروكيماوية. وفقاً للمسؤولين الإيرانيين، تعد صناعة البتروكيماويات، بعد النفط، أكبر صناعة تصديرية لإيران، وتعد دول العراق وتركيا وباكستان وتركمانستان المشترين الرئيسيين للمنتجات البتروكيماوية الإيرانية. لن تجد الحكومة العراقية صعوبة في دعوة إيران للتعاون المشترك في تطوير وبناء صناعات البتروكيماويات؛ لأن المسؤولين الإيرانيين أعلنوا مراراً استعدادهم للتعاون الفني لتطوير صناعات التكرير والبتروكيماويات في العراق. على سبيل المثال، أعلن جواد أوجي، وزير النفط الإيراني السابق، في مقابلة في ديسمبر 2023، عن الاستعداد الكامل للمقاولين والمهندسين الإيرانيين لبناء مصافي تكرير في العراق وقال: "نظراً للقدرة الجيدة لإيران في صناعات النفط والغاز وقدرة المقاولين والمصنعين، فإن إيران اليوم مكتفية ذاتياً في هذه الصناعة وقد أعلنا استعدادنا لتطوير صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات في العراق. " أثبتت التجربة الإيرانية الناجحة في بناء مصانع البتروكيماويات في مياندوآب وكاوه ورسولي في السنوات الأخيرة أن صناعة التكرير الإيرانية قد حققت الاكتفاء الذاتي الكامل حتى في ظل العقوبات. لذلك، فإن وجود الخبراء الإيرانيين في مشاريع البتروكيماويات العراقية ونقل التكنولوجيا يمكن أن يمهد الطريق لتطوير صناعة البتروكيماويات العراقية.
نظراً للحاجة الملحة للعراق للتخلص من بيع النفط الخام واستعداد إيران لتطوير صناعة البتروكيماويات العراقية، من الضروري أن تثير الحكومة العراقية هذه القضية في الاجتماعات المشتركة مع المسؤولين الإيرانيين.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام