رئيس رابطة المصارف الخاصة: الإصلاحات المصرفية تحظى بدعم حكومي مباشر   الإقتصاد نيوز   الصحة: السيطرة على حريق محدود في أحد طوابق مبنى الوزارة دون إصابات   الإقتصاد نيوز   الطاقة الأميركية: اضطرابات هرمز خفضت الإنتاج النفطي 11 مليون ‏برميل يومياً في أيار   الإقتصاد نيوز   ترامب: سنرد على إسقاط إيران طائرة أباتشي أمريكية فوق مضيق هرمز   الإقتصاد نيوز   الدفاع المدني: بناء 230 مركزًا جديدًا والتعاقد على عجلات "سنوكر" بارتفاع 100 متر   الإقتصاد نيوز   مجلس النواب الأميركي يعتزم التصويت على حزمة تمويل لأجندة ترمب للهجرة   الإقتصاد نيوز   الكويت تجري محادثات مع السعودية والإمارات لاستخدام خطوط أنابيبهما لتصدير نفطها   الإقتصاد نيوز   قرارات جلسة مجلس الوزراء لهذا اليوم   الإقتصاد نيوز   صلاح الدين تعطل الدوام الخميس المقبل   الإقتصاد نيوز   آبل تكشف عن تحديث iOS 27 الجديد بتحسينات في الأداء وتطوير Siri.. ما الهواتف الداعمة؟   الإقتصاد نيوز  
الاقتصاد العراقي في ظل النظام السياسي الديمقراطي بين المشروعية والشرعية

الاقتصاد نيوز - بغداد

يقول جان جاك روسو : “الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو عقد اجتماعي يعكس توافق الإرادة العامة.” بهذا المعنى الذي يرسخه الفكر الدستوري الحديث، لا يمكن فهم الدولة الديمقراطية بوصفها مجموعة نصوص قانونية فقط، بل بوصفها منظومة شرعية تقوم على التوازن بين القاعدة القانونية من جهة، والقبول الاجتماعي من جهة أخرى. ولذلك  يقول دوغلاس نورث الاقتصادي المؤسسي: "الاقتصاد الفعال يحتاج إلى مؤسسات تقيد السلوك وتنتج الثقة".

 وبهذا التأطير الدقيق لدور المؤسسات في تنمية مخرجات النظام السياسي والاقتصادي لصالح الكفاءة في الإنتاج والعدالة في التوزيع ، يقوم الاقتصاد المؤسسي الحديث على الربط بين البنية القانونية للدولة وبين قدرتها على توليد الثقة والاستقرار. ومن هذا المنظور، تصبح إشكالية العلاقة بين المشروعية والشرعية في النظامين الاقتصادي والسياسي ليست مسألة قانونية فقط، بل مسألة أداء مؤسسي واجتماعي في آن واحد، لذلك نشأت الإشكالية المركزية في التصور العام لبناء الاقتصاد العراقي: كيف يتفاعل النظام الاقتصادي مع ثنائية المشروعية القانونية والشرعية الاجتماعية في ظل تجربة ديمقراطية ما تزال في طور التشكل؟

في العراق بعد 2003، أُسس النظام الاقتصادي ضمن إطار دستوري ومؤسسي واضح نسبياً، حيث تدار السياسات العامة عبر مؤسسات منتخبة، وتُقر الموازنات وفق آليات برلمانية، وتُنفذ السياسات النقدية والمالية ضمن أطر قانونية رسمية. وهذا يمنح الاقتصاد العراقي درجة من المشروعية ، أي الالتزام بالإطار الدستوري والقانوني في صناعة القرار الاقتصادي وتنفيذه.

لكن هذه المشروعية، رغم ضرورتها، لا تضمن بالضرورة تحقق الشرعية الاقتصادية ، والتي تعني قبول المجتمع لنتائج السياسات الاقتصادية من حيث العدالة والكفاءة. ففي الواقع السياسي  ، تعاني هذه الشرعية من ضغوط متزايدة نتيجة ضعف التنويع الاقتصادي، والاعتماد المفرط على النفط، واتساع الفجوة بين الموارد العامة ومستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

يظهر الانفصال بين اقتصاد مشروع قانونيا لكنه غير مستقر اجتماعياً، حيث تكون الثقة العامة مرهونة بالنتائج لا بالإجراءات. وكلما تراجعت قدرة الدولة على تحسين مستوى المعيشة و تقليل البطالة و مكافحة الفساد، تراجعت معها شرعيتها الاقتصادية والسياسية، حتى وإن كانت  المشروعية قائمة.

يمثل النظام السياسي الديمقراطي في العراق انموذجاً معقداً لدولة انتقالية تحاول التوفيق بين المشروعية القانونية من جهة، والشرعية السياسية والاجتماعية من جهة أخرى، في بيئة ما تزال تعاني من ضعف مؤسسي وتعدد في مراكز القوة وتباين في مستويات الثقة بالدولة. ثم تتعرض الشرعية السياسية لضغوط مستمرة بسبب فجوة واضحة بين الدولة والمجتمع. فضعف الخدمات العامة، وتذبذب الأداء الحكومي، واتساع مظاهر الفساد، وارتفاع معدلات البطالة، كلها عوامل ساهمت في تآكل الثقة بالمؤسسات السياسية، حتى وإن بقيت هذه المؤسسات مشروعة من الناحية الدستورية. وبذلك نشأ نوع من الانفصال بين قانونية السلطة وقبولها الاجتماعي.

هذا الانفصال أنتج ما يمكن وصفه بـ الديمقراطية الإجرائية غير المكتملة، ديمقراطية تنتج حكومات عبر صناديق الاقتراع، لكنها لا تنجح دائماً في إنتاج شرعية أداء مستمرة. فالانتخابات في العراق غالباً ما تجدد المشروعية الشكلية، لكنها لا تعالج جذور أزمة الشرعية المرتبطة بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية.

لقد ساهمت البنية السياسية الديمقراطية الناشئة في العراق، في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه جعلت الشرعية مرتبطة بالتوازنات السياسية أكثر من ارتباطها بالكفاءة أو الإنجاز. وهذا ما أدى إلى بروز نظام سياسي "توافقي-ريعي"، تُدار فيه الدولة عبر شبكات توزيع أكثر من كونها عبر مؤسسات إنتاجية فعالة.

اقتصادياً، ينعكس التباين بين الشرعية والمشروعية على طبيعة السياسات العامة. فكون السلطة "مشروعة" لا يعني أنها قادرة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية، لأن ضعف الشرعية الاجتماعية يحد من قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات صعبة مثل تقليص الإنفاق العام أو إصلاح نظام الدعم أو إعادة هيكلة الاقتصاد الريعي. وهكذا تصبح السياسة الاقتصادية رهينة التوازنات السياسية قصيرة الأمد، بدلاً من أن تكون جزءاً من رؤية تنموية طويلة الأمد. ذلك ان تعدد مراكز القوة داخل النظام السياسي بين أحزاب، ومؤسسات رسمية، وقوى اجتماعية أدى إلى تشظي مفهوم الشرعية نفسه. فلم تعد الشرعية حكراً على الدولة المركزية، بل أصبحت موزعة بين فاعلين مختلفين، ما يضعف قدرة النظام على إنتاج قرار موحد ومستقر، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي.

كما أن الريعية أسهمت بشكل او بآخر في تحجيم شرعية القرار الاقتصادي ، حيث تُستخدم الموارد النفطية كأداة لإدارة الشرعية السياسية عبر التوظيف العام والدعم والتحويلات، بدلاً من بناء اقتصاد إنتاجي متنوع. وهذا النمط يعمّق العلاقة بين الشرعية وتوزيع الريع، ويجعل الاستقرار السياسي مرتبطاً بقدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام أكثر من ارتباطه بالإصلاح المؤسسي.

في المحصلة، يمكن القول إن النظام الديمقراطي في العراق يقوم على توازن ضعيف بين مشروعية دستورية مستقرة نسبياً وشرعية سياسية واجتماعية متقلبة. هذا التوازن غير المكتمل يجعل النظام عرضة لدورات متكررة من الاحتجاج والتوتر السياسي كلما اتسعت الفجوة بين الأداء الحكومي وتوقعات المجتمع.

إن مستقبل التجربة الديمقراطية في العراق سيتحدد بمدى قدرة النظام السياسي على تقليص هذه الفجوة، عبر تحويل المشروعية القانونية من مجرد إطار إجرائي إلى أداة لإنتاج شرعية قائمة على الأداء والكفاءة، وليس فقط على اجراء الانتخابات. فالديمقراطية المستدامة لا تقوم على المشروعية وحدها، بل على اندماجها العضوي مع شرعية اجتماعية متجددة تستند إلى العدالة في توزيع الثروة ، والكفاءة والفعالية في تخصيص الموارد ، ومنه الثقة بين الدولة والمجتمع.

في المحصلة النهائية يمكن الاستنتاج إن تقليص الفجوة بين المشروعية والشرعية لا يتحقق بإصلاح قانوني فقط، ولا بإجراءات اقتصادية منفصلة، بل عبر تكامل ثلاثي: دولة تنفيذ قانون فعالة، واقتصاد منتج، ومؤسسات قادرة على تحويل الأداء إلى ثقة اجتماعية مستدامة.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 990
أضيف 2026/06/05 - 11:18 AM