
يُفهم التحديث (من الفرنسية "modernize" بمعنى "حديث")، في معناه العام، على أنه عملية إدخال أو تطبيق تحسينات تلبي المتطلبات المعاصرة. علاوة على ذلك، يُفسَّر التشابه في هذا الفهم الراسخ للتحديث في الأدبيات الاقتصادية من جانبين مترابطين.
ان الانتقال الحّيوي والجذري إلى اقتصاد إنتاجي وابتكاري ، وتنشيط الاقتصاد الوطني، وتنفيذ مشاريع تؤثر على نمو التشغيل والتنمية - بمثابة نهج استراتيجية اعادة هندسة اقتصادية لتحقيق نمو اقتصادي مكثف.
أولاً ، كعملية تحديث للنظام الاجتماعي ككل، أي الانتقال من مجتمع متأخر انهكته الحروب والأزمات إلى مجتمع جديد أكثر تقدماً . على سبيل المثال، من مجتمع تقليدي (زراعي) او وظيفي وإشغال عامة إلى مجتمع صناعي ومعرفي وابتكاري ، ومنه إلى مجتمع ما بعد الصناعة.
ويهدف إلى تغيير النموذج السائد من نموذج يعتمد على المواد الخام والنفط الخام أو ريعية الاقتصاد إلى نموذج قائم على خلق قيمة مضافة حقيقية، وبنماذج معدة مسبقاً ولاحقاً في حينه ، وزيادة إنتاجية العمل، وتطوير البنية التحتية والمعرفية والتقنية وهو متيسر في المرحلة الراهنة في ظل تسخير كل الموارد والامكانات والقدرات لذلك .
أدت التحولات الجذرية التي طرأت على جميع مجالات الحياة العامة في أعقاب التوترات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وتزايد عدم الاستقرار وعدم اليقين إلى إعادة طرح مسألة اختيار نموذج اقتصادي جديد فريد لتحديث الاقتصاد العراقي في سياق الواقع المعاصر. وفي هذا الصدد، تُشدد الدراسات على العلاقة بين النموذج التقليدي الموروث من حقبة الحكم المركزية ، أي نموذج "التنمية اللحاقية"، ونموذج "التنمية المتقدمة".
يكمن جوهر هذا النموذج في استعارة ونقل المؤسسات والتقنيات التي أثبتت نجاحها في الدول المتقدمة إلى المؤسسات الوطنية. ورغم إمكانية استعارة التقنيات أو المؤسسات بشكل أساسي، إلا أن نموذج التنمية اللحاقية يبقى قائماً ومحفزاً للنمو والتنمية الملموسة . فالصين، على سبيل المثال، تستعير التقنيات الحديثة وتُكيّف مؤسساتها الوطنية مع الظروف الجديدة.
أما بالنسبة للعراق ، فمن الطبيعي أن يحتاج نموذج التنمية اللحاقية إلى تعديل جوهري ومنهجية اقتصادية تتلاءم وطبيعة التحديث والانتقال لنموذج الاقتصاد المنتج وخطط واستراتيجيات . ولا يُقصد بتجربة اليابان أو الصين أن تكون نموذجاً يُحتذى به فحسب ، بل مساراً استراتيجياً للتنمية اللحاقية .
ويُعدّ التطور المتقدم ، ولكن في مجالات محددة ومحدودة، كما هو واقع الحال العراق ، وليس بديلاً للتنمية اللحاقية. ويتضح الفرق جلياً هنا، إذ يجب السعي إلى تحقيق التنمية اللحاقية بشكل شامل في جميع المجالات تقريباً ، بينما ينبغي السعي إلى تحقيق التنمية المتقدمة في مجالات محدودة للغاية.
وهذا ينطبق أيضاً بشكل مباشر على الاقتصاد العراقي . فالحاجة الموضوعية لتحديثه مدفوعة بعوامل داخلية وخارجية وعوامل اخرى واسباب اخرى .
أهم العوامل الداخلية هي:
1) حالة الأزمة التي يمر بها الاقتصاد العراقي ، نتيجةً لهشاشة نموذج رأسمالية السوق الليبرالية، الذي انتقلت إليه البلاد بسرعة ما بعد الانتقال السياسي في 9/ 3 / 2003 ؛
2) ترسيخ تخصص اقتصاد العراق الضيق في المواد الخام ضمن الاقتصاد الرأسمالي العالمي، مما يؤثر سلباً على التحول الهيكلي والبنيوي للاقتصاد المحلي في ضوء الواقع المعاصر؛
3) انخفاض كبير في قيمة الأصول الثابتة، مما يؤدي حتماً إلى تدمير القاعدة المادية والتقنية الاقتصادية، والركود، والتدهور؛
4) ضعف تطبيق التطورات العلمية والتكنولوجية المتقدمة في مختلف قطاعات الاقتصاد (باستثناء الصناعات الدفاعية والامنية وغيره )، مما يعيق انتقاله إلى مسار تنموي ابتكاري؛
5) نقص حاد في الكوادر المؤهلة تأهيلاً عالياً في القطاعات الأساسية للاقتصاد العراقي ، مما ينتج عنه انخفاض إنتاجية
٦) انخفاض ملحوظ في الاستثمار في رأس المال الثابت وعدم تنظيم الاقتصاد الحقيقي والموازي ، مما يُعيق الانتعاش الاقتصادي والنمو المستدام؛
٧) استمرار الاحتكار البيروقراطي وتفاقم الفساد (في ظل غياب مجتمع مدني ناضج) في ظل هشاشة النظام الاقتصادي وعدم الامتثال لبنود قانون المنافسة ومنع الاحتكار لاسباب متعددة ابرزها ضعف النظام للميل او تنفيذ لقوة القانون ، مما يحول دون إمكانية التطور السريع لريادة الأعمال العراقي والتفاعل الفعال بين الدولة وقطاع الأعمال؛
٨) ازدياد حاد في التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين مختلف شرائح المجتمع، مما يُهدد استقرار المجتمع العراقي ؛
٩) انخفاض كفاءة نظام الإدارة الاقتصادية القائم، والذي أُنشئ على أساس مذهب ليبرالي يركز على تطبيق مبادئ السوق الحرة التي تتعارض نوعاً ما في بيئة الأسواق الخاصة مع قرارات الادارة شبه المركزية . واهمية تنشيط تنظيم المنافسة في الأسواق والمنتجات في ظل قانون المنافسة ومنع الاحتكارات 14 لسنة 2010
من المهم الإشارة إلى أن العوامل المذكورة أعلاه لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن وحدتها الشاملة.
ويتطلب فهم هذه الوحدة وضع مفهوم علمي سليم للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في العراق. وللأسف، لا بد من الإقرار بأن هذا المفهوم لم يُطوَّر بعد (على الرغم من كثرة النسخ المختلفة المنشورة في السنوات الأخيرة). ونرى أن الصعوبة تكمن فيما يلي: لمعالجة هذه المسألة، من الضروري أولاً فهم الأنماط الأساسية لتطور الاقتصاد العالمي والمحلي على حد سواء؛
ثانياً ، فهم منهجية تطوير هذا المفهوم وهيكله فهماً واضحاً ، على أن يُخصَّص القسم الأخير منه للاتجاهات الرئيسة لتحديث الاقتصاد العراقي وآفاقه التنموية؛
ولدى الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي مكثف يتطلب الاتي :
- تحويل التركيز من النمو الواسع (زيادة عدد العمال) إلى التحسينات النوعية في الإنتاج (زيادة إنتاجية العمل - العائد على كل عامل).
- كما ينبغي في هذه المرحلة إنعاش الاقتصاد الوطني عن طريق :
- دعم الطلب: يُحفَّز انتعاش النشاط التجاري بارتفاع دخل الأسر وتيسير السياسة النقدية (يشير البنك المركزي العراقي إلى مؤشرات على هذا الانتعاش في بداية شهر يناير عام 2026 ).
- تبييض القطاعات: تنفيذ خطط لإخراج قطاعات معينة من الاقتصاد من دائرة التستر لزيادة القاعدة الضريبية.
- إدارة دورة الاستثمار: مراعاة تأثير السياسة النقدية على دورة الاستثمار لتحفيز النمو بالمعدلات المحتملة.
- إدارة الموارد البشرية: تنفيذ برامج إعادة التدريب لتلبية متطلبات سوق العمل الجديدة.
يستلزم التحول نموذج الاقتصاد الريعي إلى نماذج اقتصادية إنتاجية نقلة نوعية في المفاهيم: من النمو القائم على استغلال الموارد (تصدير المواد الخام) إلى النمو القائم على الكفاءة والابتكار وارتفاع إنتاجية العمل. فيما يلي منهجية شاملة لتنفيذ هذا التحول، تستند إلى تحليل العوامل الرئيسية:
التوجهات الأساسية للتحول:
التحديث التكنولوجي: الانتقال إلى النموذج التكنولوجي الخامس (الروبوتات، تكنولوجيا المعلومات) والسادس (التقنيات النانوية، والبيولوجية، والمعرفية).
الاقتصاد الابتكاري: إدخال الابتكارات على نطاق واسع، وإنشاء صناعات كثيفة المعرفة، وتنمية رأس المال البشري باعتباره المورد الرئيسي. وهو مهم جداً ترسيخه في العراق بغية الاستثمار في المعرفة والتقنيات الحديثة وتوظيف المواد البشرية المتاحة والبنية التحتية اللازمة.
الاقتصاد الدائري: نموذج متجدد يقلل من الهدر ويحسن استخدام الموارد (الانتقال من التفكير الخطي "الاستهلاك والتخلص").
1- الاستثمار في الأفراد: يصبح التعليم والعلوم والرعاية الصحية أساساً للإنتاجية، متحولة من بنود إنفاق إلى مصادر لرأس المال الاقتصادي.
2- الشراكات بين القطاعين العام والخاص: الجمع بين آليات السوق والدعم الحكومي للصناعات والبنية التحتية الحيوية.
3- رقمنة العمليات: تطبيق منصات رقمية لتحسين الخدمات اللوجستية والإنتاج والاستهلاك.
التنمية المستدامة: تطبيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما أنماط الإنتاج والاستهلاك الرشيدة. لا يقتصر هذا التحول على تغيير التكنولوجيا فحسب، بل هو تحول في النظام الاجتماعي والاقتصادي، يركز على الاستدامة طويلة الأجل وخلق قيم جديدة. وترسيخ مبادئ التنمية المبتكرة .
يهدف هذا النهج إلى ضمان التنمية المستدامة والنهضة الشاملة للقطاع الاقتصادي الحقيقي وتحريك وتنشيط فواعل الاقتصاد الداخلي ، عبر مشاريع ذات اثر مباشر على التشغيل والتنمية المستدامة والتنمية المبتكرة وخلق قيمة مضافة ، ونمو الدخل على الرغم من تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي (المتوقع بنسبة 0.5 - 2.5 % لعام 2026، حسب السيناريو).
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام