
في مشهد صحي يزداد تعقيداً مع حرارة الصيف وحركة المواشي المتسارعة، تعود الحمى النزفية لتفرض حضورها الثقيل في عدد من المحافظات العراقية، مسجلة إصابات جديدة وحالات وفاة تثير القلق، خاصة في البؤر الأكثر تضرراً.
وبينما تتسارع التحذيرات الرسمية من خطورة المرض وانتقاله السريع بين الحيوان والإنسان، تتحرك الجهات الصحية والبيطرية في سباق مع الوقت عبر حملات ميدانية وإجراءات احترازية تهدف إلى احتواء التفشي ومنع تمدده، في وقت يبقى فيه الوعي المجتمعي والالتزام بالإجراءات الوقائية عاملاً حاسماً في كبح هذا الخطر الوبائي.
وأعلنت وزارة الصحة تسجيل 15 إصابة جديدة وحالة وفاة واحدة بالحمى النزفية خلال الأسبوع التاسع عشر من الرصد الوبائي لعام 2026، مؤكدة أن محافظة ذي قار ما تزال تتصدر المحافظات الأعلى من حيث الإصابات والوفيات.
وقال المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر، إن “الموقف الوبائي الأسبوعي سجل 15 إصابة جديدة وحالة وفاة واحدة”، مبيناً أن “أغلب الإصابات الجديدة سُجلت في محافظة ذي قار بواقع خمس إصابات، إضافة إلى حالة وفاة واحدة”.
وأضاف أن “الإصابات توزعت أيضاً بواقع إصابتين في كل من ميسان والمثنى وواسط، وإصابة واحدة في بغداد الرصافة وديالى والديوانية وكركوك”، لافتاً إلى أن “إجمالي الإصابات التراكمية منذ بداية عام 2026 بلغ 48 إصابة مؤكدة وأربع حالات وفاة”.
وأوضح البدر أن “ذي قار سجلت 21 إصابة مؤكدة بينها ثلاث وفيات، تليها المثنى بست إصابات، ثم ميسان بخمس إصابات، وبابل بأربع إصابات وحالة وفاة، فضلاً عن أربع إصابات في واسط وثلاث إصابات في ديالى وإصابتين في بغداد الرصافة، بينما سجلت كل من البصرة والديوانية وكركوك إصابة واحدة”.
وأشار إلى أن “الحمى النزفية مرض فيروسي خطير مشترك بين الإنسان والحيوان، وسُجلت أولى إصاباته في العراق منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي”، موضحاً أن “الأبقار والأغنام والماعز تعد من أبرز الحيوانات الحاملة للمرض في البيئة العراقية”.
وأكد أن “المرض ينتقل غالباً إلى الأشخاص الذين يتعاملون مباشرة مع المواشي مثل الجزارين ومربي الحيوانات وناقليها، نتيجة ملامسة لحوم الحيوانات المصابة أو جلودها وسوائلها”، مضيفاً أن “حشرة القراد تعد من أبرز النواقل التي تنقل العدوى بين الحيوانات والإنسان”.
وبيّن البدر أن “الأعراض الأولية تشمل ارتفاع درجات الحرارة والشعور بالإعياء”، مؤكداً أن “التشخيص المبكر والعلاج التحفظي داخل المستشفيات يسهمان بشكل كبير في رفع نسب الشفاء رغم عدم وجود لقاح أو علاج فيروسي مباشر حتى الآن”.
وحذر من أن “المرحلة الخطيرة تبدأ مع ظهور الأعراض النزفية، مثل النزف تحت الجلد أو من فتحات الجسم، ما قد يؤدي إلى فشل الأعضاء الحيوية وارتفاع احتمالية الوفاة”.
ودعا الفئات الأكثر عرضة للإصابة، وفي مقدمتهم القصابون وتجار المواشي والعاملون في نقل الحيوانات، إلى “اتباع إجراءات الوقاية وارتداء الملابس الواقية والكفوف والأقنعة”، مشدداً على “أهمية حفظ اللحوم بدرجات تبريد مناسبة وطهيها جيداً لتقليل احتمالية انتقال الفيروس”.
حملات بيطرية ميدانية في المحافظات
وفي إطار الإجراءات الاحترازية، باشرت الفرق البيطرية التابعة للمستشفى البيطري التعليمي في كركوك تنفيذ حملة واسعة ضمن الاستعدادات لموسم انتشار الحمى النزفية.
وقال مدير المستشفى البيطري التعليمي في كركوك منصور أحمد البياتي، إن “الفرق البيطرية نفذت حملات رش شملت مجزرة كركوك العصرية وخانات الحيوانات وحظائر المواشي في قرية الوطنية وعدد من القرى والأقضية والنواحي التابعة للمحافظة”.
وأضاف أن “الحملات تستهدف القضاء على الحشرات والطفيليات الناقلة للأمراض، وتهيئة بيئة صحية سليمة للحفاظ على سلامة اللحوم وحماية المواطنين من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان”.
وأشار البياتي إلى أن “الحملات مستمرة بشكل دوري بالتنسيق مع الجهات المعنية لمتابعة الواقع الصحي للحيوانات والحد من أي مخاطر وبائية”، داعياً أصحاب المواشي إلى “التعاون مع الفرق البيطرية والإبلاغ عن أي حالات مرضية أو نفوق غير طبيعي”.
الزراعة: انخفاض نسبي في الإصابات مقارنة بالسنوات السابقة
من جانبها، أكدت وزارة الزراعة قرب انحسار مرض الحمى النزفية داخل العراق، مشيرة إلى أن أعداد الإصابات الحالية تُعد الأدنى مقارنة بالسنوات الماضية.
وقال الوكيل الفني لوزارة الزراعة ميثاق الخفاجي، إن “الوزارة، ممثلة بدائرة البيطرة وبالتنسيق مع اللجنة الوطنية التابعة لوزارة الصحة، تواصل تنفيذ الخطة الوطنية للسيطرة على المرض، خصوصاً في البؤر الوبائية بمحافظات الجنوب وفي مقدمتها ذي قار”.
وأضاف أن “الإجراءات الوقائية والتكتيكات المطبقة أسهمت في خفض أعداد الإصابات والوفيات بشكل ملحوظ”، مؤكداً أن “الوزارة تسعى للوصول إلى المعدلات العالمية في السيطرة على المرض”.
وأشار الخفاجي إلى أن “بعض الإصابات المسجلة جاءت نتيجة مخالفات من قبل مربي المواشي والقصابين الذين يمارسون الذبح العشوائي داخل الأحياء السكنية ومن دون إشراف صحي، ما يعرض حياة المواطنين لخطر العدوى”.
قراءة في المشهد الوبائي
تعكس مؤشرات الحمى النزفية الحالية استمرار وجود بؤر نشطة للمرض، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، مع تداخل عوامل بيئية ومهنية تزيد من فرص الانتشار، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة، وكثافة حركة المواشي، وضعف الالتزام بالإجراءات الصحية في بعض مناطق الذبح والتداول.
ورغم تأكيد الجهات الرسمية على تراجع نسبي في الإصابات مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن استمرار تسجيل حالات جديدة يفرض تحدياً مزدوجاً بين تعزيز الرقابة البيطرية ورفع مستوى الوعي الصحي، خصوصاً في القطاعات الأكثر تعرضاً للخطر.
ويبدو أن احتواء المرض بشكل نهائي لا يرتبط فقط بالإجراءات العلاجية، بل أيضاً بمدى الالتزام الميداني بإجراءات الوقاية والرقابة على سلسلة تداول اللحوم والمواشي في مختلف المحافظات.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام