العراق تحت ضغط هرمز.. خسائر نفطية ضخمة وخصومات غير مسبوقة لإنقاذ الصادرات

الاقتصاد نيوز - بغداد

يواجه العراق أحد أخطر التحديات الاقتصادية في تاريخه الحديث منذ اندلاع الحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، المنفذ البحري الذي تمر عبره الغالبية الساحقة من صادراته النفطية. فالدولة التي يعتمد اقتصادها بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية، وجدت نفسها أمام تراجع حاد في الصادرات، دفع شركة سومو إلى اعتماد سياسة تسعير استثنائية تتضمن خصومات كبيرة لجذب المشترين وتحفيز استمرار تدفق النفط العراقي إلى الأسواق العالمية.

انهيار الصادرات عبر الخليج

وبحسب بيانات نقلتها وكالة بلومبرغ، تراجعت مبيعات النفط العراقي بأكثر من 80% خلال الشهرين الماضيين، نتيجة تعذر عبور العديد من الناقلات عبر مضيق هرمز، الذي تحول إلى منطقة عالية المخاطر بفعل التصعيد العسكري.

وفي مؤشر واضح على حجم الأزمة، قامت ناقلتان فقط بتحميل النفط من ميناء البصرة خلال شهر أبريل، مقارنة بـ12 ناقلة في مارس، رغم أن الميناء يمتلك قدرة تشغيلية تصل إلى نحو 80 ناقلة شهرياً في الظروف الطبيعية.

كما تراجعت صادرات النفط العراقية في مارس بنحو 97% مقارنة بالشهر السابق، لتبلغ في المتوسط 99 ألف برميل يومياً فقط، وفق بيانات تتبع السفن.

خصومات قياسية لجذب المشترين

في محاولة لتقليل آثار الأزمة، طرحت “سومو” تخفيضات سعرية غير مسبوقة على خام البصرة المتوسط، وصلت إلى 33.40 دولاراً للبرميل خلال الأيام العشرة الأولى من مايو 2026، قبل أن تنخفض إلى 26 دولاراً لبقية أيام الشهر، فيما بلغ الخصم على خام البصرة الثقيل نحو 30 دولاراً للبرميل.

وتعتمد الشركة في تسعير خام البصرة المتوسط على متوسط أسعار خامي دبي وعُمان للشحنات المتجهة إلى آسيا، وعلى خام “أرجوس” عالي الكبريت للشحنات المتجهة إلى الأميركتين.

وكان العراق قد رفع في أبريل الماضي سعر البيع الرسمي لخام البصرة المتوسط إلى آسيا بعلاوة بلغت 17.30 دولاراً فوق متوسط أسعار خامي عُمان ودبي، مقارنة بعلاوة بلغت 0.30 دولار فقط في أبريل السابق، كما حدد علاوة قدرها 10.30 دولارات فوق خام “أرجوس” للشحنات المتجهة إلى الأميركتين.

“البيع مطروح الميناء”.. آلية لتجاوز المخاطر

مدير عام سومو علي نزار الشطري أوضح أن الشركة لجأت إلى اعتماد أسلوب “البيع مطروح الميناء”، أي أن مسؤولية الشركة تنتهي فور تحميل النفط إلى الناقلة، بينما يتحمل المشتري تكاليف النقل البحري والتأمين ومخاطر العبور.

وأكد الشطري أن “سومو” لم تغير فعلياً في العلاوات السعرية الرسمية المعلنة، لكن اختلاف طريقة البيع وخصم تكاليف النقل والتأمين هو ما يمنح المشترين إمكانية الحصول على النفط بأسعار أقل.

وبيّن أن هذا الأسلوب يقتصر حالياً على نفط البصرة بسبب مخاطر الإبحار في مضيق هرمز، في حين يحافظ خام كركوك على علاوته السعرية لأنه يُصدر عبر ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، بعيداً عن التهديدات البحرية في الخليج.

خسائر بمليارات الدولارات

المختص في شؤون الطاقة كوفند شيرواني وصف تداعيات الأزمة بأنها “ضربة اقتصادية هائلة”، مؤكداً أن العراق فقد صادرات يومية تُقدّر بنحو 3.3 ملايين برميل من النفط الخام كانت تحقق إيرادات لا تقل عن 260 مليون دولار يومياً.

وقال شيرواني لـ"الاقتصاد نيوز" إن مجموع خسائر الإيرادات خلال شهر واحد قد يقترب من 7 مليارات دولار، مع احتمال ارتفاع الرقم نتيجة صعود أسعار النفط العالمية عقب إغلاق مضيق هرمز.

وأوضح أن الحسومات التي قدمتها “سومو” تهدف إلى تشجيع الشركات والتجار على شراء النفط العراقي وتحمل مخاطر النقل، مضيفاً أن بعض الشركات التي تمتلك علاقات جيدة مع الجانب الإيراني قد تتمكن من تمرير الشحنات النفطية وتحقيق أرباح كبيرة من فروقات الأسعار.

وأشار إلى أن العراق يواجه مشكلة بنيوية تتمثل في غياب أسطول وطني كبير لناقلات النفط، إذ كانت غالبية الصادرات تعتمد على ناقلات مؤجرة أو على البيع المباشر في الموانئ العراقية.

بدائل محدودة وخيارات ضيقة

رغم استمرار العراق في تصدير جزء من نفطه عبر خط الأنابيب الممتد إلى تركيا، إلا أن الكميات تبقى محدودة مقارنة بالطاقة التصديرية المعتادة عبر الخليج.

وبيّن شيرواني أن خط ميناء جيهان ينقل حالياً نحو 250 ألف برميل يومياً فقط، أي ما يعادل نحو 7% من إجمالي الصادرات العراقية السابقة.

ويؤكد مراقبون أن العراق لا يمتلك حالياً بدائل استراتيجية حقيقية لتجاوز مضيق هرمز، ما يجعله من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب أمني في الخليج.

الخصومات ليست سابقة عالمية

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي أن التخفيضات السعرية الحالية تُعد إجراءات مؤقتة تخص شهر مايو 2026، وتهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من تدفق الصادرات النفطية.

وأشار المرسومي إلى أن سياسة الخصومات ليست جديدة في أسواق الطاقة العالمية، إذ سبق أن استخدمتها إيران وروسيا وفنزويلا للتخفيف من تأثير العقوبات أو القيود التي أعاقت وصول نفوطها إلى الأسواق العالمية.

وأضاف أن العراق اضطر إلى تقديم خصومات تصل إلى 33.4 دولاراً للبرميل على خام البصرة المتوسط للمشترين بعقود طويلة الأجل، خصوصاً أولئك الذين يستخدمون ناقلات تضطر لعبور مضيق هرمز، بهدف تعويض مخاطر النقل والتأمين المرتفعة.

أزمة تكشف هشاشة البنية التصديرية

تكشف الأزمة الحالية حجم اعتماد العراق شبه الكامل على منفذ بحري واحد لتصدير النفط، في ظل غياب شبكة بديلة من خطوط الأنابيب أو أسطول وطني للنقل البحري.

ويرى خبراء أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول قد يضع المالية العراقية أمام ضغوط غير مسبوقة، خصوصاً مع اعتماد الموازنة العامة بشكل رئيسي على الإيرادات النفطية.

وفي الوقت الذي تحاول فيه “سومو” الحفاظ على حضور النفط العراقي في الأسواق العالمية عبر الخصومات والتسهيلات التجارية، يبقى مستقبل الصادرات مرهوناً بتطورات المشهد الأمني في الخليج، ومدى قدرة بغداد على إيجاد منافذ تصدير بديلة تقلل من هشاشة اعتمادها على مضيق هرمز.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 69
أضيف 2026/05/09 - 10:55 AM