
يشير تطور أزمة إغلاق مضيق هرمز إلى تحوّل نوعي في موقع العراق داخل معادلة الطاقة الإقليمية، إذ لم تعد المشكلة محصورة في تعطل ممر بحري، بل كشفت خللاً بنيوياً في نموذج التصدير القائم على الاعتماد شبه الكامل على موانئ البصرة.
هذا الواقع انعكس سريعاً على مستويات الإنتاج والإيرادات، ما وضع الاقتصاد العراقي تحت ضغط مباشر، ودفع الحكومة إلى التحرك باتجاه خيارات بديلة كانت مطروحة منذ سنوات لكنها لم تُفعّل بالسرعة الكافية.
في هذا السياق، يبرز مشروع أنبوب البصرة – حديثة كأحد أهم الردود الاستراتيجية على الأزمة. المتحدث باسم وزارة النفط، صاحب بزون، قدّم قراءة واضحة لطبيعة هذا التحول عندما وصف المشروع بأنه "استراتيجي مهم جداً"
وأشار بزون إلى أن طاقة المشروع تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، مع إمكانية تصدير النفط عبر ثلاثة مسارات إقليمية، وهو ما يعني عملياً فك الارتباط الحصري بمضيق هرمز وتقليل حساسية العراق تجاه أي إغلاق أو تهديد في الخليج.
كما ربط بزون بين تسريع المشروع والتطورات الأخيرة في الملاحة، مؤكداً أن ما جرى في هرمز دفع الحكومة إلى إعادة تفعيل منافذ بديلة، وفي مقدمتها خط كركوك – جيهان، الذي اقترب من العودة بطاقة تصل إلى 600 ألف برميل يومياً، في محاولة لامتصاص جزء من الصدمة.
غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تعكس سوى مرحلة انتقالية، وهو ما يوضحه الباحث بالشأن الاقتصادي بسام رعد، الذي يرى أن أنبوب البصرة – حديثة يتجاوز كونه مشروع نقل نفطي إلى كونه إعادة هيكلة كاملة لمنظومة التصدير العراقية.
فالمشروع، بحسب رعد، ينقل مركز الثقل من الجنوب إلى شبكة برية تمتد عبر البلاد، ما يوفر مرونة أعلى في مواجهة المخاطر الجيوسياسية، ويتيح للعراق الوصول إلى منافذ متعددة على البحر المتوسط مستقبلاً.
وأشار إلى أن هذه الرؤية تعني تحول العراق من نموذج “عنق الزجاجة” إلى نموذج “الشبكة المفتوحة”، وهو تحول يحمل أبعاداً اقتصادية وسيادية في آن واحد.
ويتكامل هذا الطرح مع ما أعلنه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي أكد خلال متابعته للمشروع أن هذه الخطوة تأتي استباقاً للظروف الإقليمية، وتهدف إلى حماية الاقتصاد من أي اضطرابات في مسارات التصدير.
هذا التصريح يعكس إدراكاً حكومياً بأن الأزمة الحالية ليست طارئة، بل مرشحة للتكرار، ما يستدعي بناء منظومة قادرة على الصمود، وليس مجرد حلول مؤقتة.
وتسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، بعد تقييد التصدير من السعودية والإمارات والكويت والعراق.
ورغم أن العراق يعد من أكبر خمس دول في العالم إنتاجاً للطاقة، يجد المواطن العراقي نفسه في قلب الأزمة العالمية التي أفرزتها هذه الحرب وإغلاق المضيق.
وللحد من تداعيات الأزمة الاقتصادية، أعلنت الحكومة العراقية عن بدء تنفيذ خطط حمائية عبر مسارات جديدة أعدتها سابقاً. وفي هذا السياق، أكد معاون المدير العام في وزارة التجارة محمد حنون كريم أن الحكومة بدأت فور ظهور أزمة مضيق هرمز بالبحث عن منافذ جديدة لدخول المواد الغذائية، عبر الموانئ الأردنية والتركية، إضافة إلى التنسيق مع سوريا لنفس الغرض.
وقد أدى إغلاق المضيق إلى تعطل تدفقات النفط من منطقة الخليج، ما انعكس بشكل مباشر على صادرات العراق التي تعتمد بصورة كبيرة على الموانئ الجنوبية المرتبطة بهذا الممر الحيوي.
وفي هذا الصدد، أوضح عبد الصاحب بزون الحسناوي، المتحدث باسم وزارة النفط، أن التوترات الإقليمية أثرت بشكل واضح على قطاع الطاقة، مشيراً إلى توقف تصدير النفط منذ 8 مارس الماضي، مع استمرار استقرار إمدادات المشتقات النفطية داخل البلاد.
وبيّن أن الحكومة تحركت سريعاً لإيجاد بدائل، من خلال استئناف التصدير عبر إقليم كردستان باتجاه ميناء جيهان التركي، بمعدل يقارب 72 ألف برميل يومياً، مع خطط لتشغيل الأنبوب العراقي – التركي بطاقة تصل تدريجياً إلى 1.6 مليون برميل يومياً.
كما أشار إلى بدء تصدير كميات من النفط الأسود عبر الأراضي السورية، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط على القطاع النفطي، رغم محدودية هذا الخيار.
من جانبه، أكد الخبير النفطي عاصم جهاد أن العراق يعد من أكثر الدول تضرراً من أي إغلاق لمضيق هرمز، وربما الأكثر هشاشة مالياً بين كبار المنتجين في المنطقة، نظراً لاعتماده شبه الكامل على تصدير النفط عبر المنافذ الجنوبية، إضافة إلى أن أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة تأتي من القطاع النفطي.
وأشار جهاد إلى أن بعض الدول تمتلك منافذ تصدير بديلة جزئياً خارج مضيق هرمز، ما يمنحها مرونة نسبية في مواجهة الأزمات، في حين يعتمد العراق بشكل شبه كلي على هذا الممر الحيوي.
وبيّن أن العراق صدّر خلال شهر فبراير الماضي نحو 99.87 مليون برميل، بمعدل يومي يقارب 3.57 مليون برميل، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على التصدير الخارجي.
إلا أن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات النفطية، والتي من المرجح أن تتفاقم في حال استمرار هذا الوضع.
وأوضح أن البدائل الحالية محدودة، إذ يقتصر التصدير على المنفذ الشمالي عبر ميناء جيهان التركي بطاقة تتراوح بين 170 إلى 250 ألف برميل يومياً، إضافة إلى كميات محدودة تنقل عبر الشاحنات، وهي مستويات لا يمكن أن تعوض خسارة الصادرات عبر الجنوب.
وأضاف أن العراق يواجه أزمة مزدوجة تتمثل في توقف منفذ التصدير الرئيسي، إلى جانب الاعتماد المالي الكبير على النفط، ما يضع المالية العامة تحت ضغط شديد، ويحد من قدرة البلاد على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط العالمية أو تلبية الطلب المتزايد.
وحذر من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تحديات مالية كبيرة قد تدفع الحكومة إلى اللجوء للاقتراض أو إصدار السندات لتغطية النفقات، مشيراً إلى أن قدرة العراق على الصمود في ظل هذه الظروف تبقى محدودة زمنياً.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام