
يشكّل إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) وتحالف "أوبك+"، اعتباراً من الأول من أيار/مايو 2026، نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ أسواق الطاقة العالمية، في ظل بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد واضطرابات غير مسبوقة في الإمدادات.
هذا القرار، الذي ينهي أكثر من خمسة عقود من عضوية الإمارات داخل المنظمة منذ انضمامها عام 1967، لم يُقرأ بوصفه خطوة تقنية مرتبطة بالإنتاج فقط، بل كتحوّل استراتيجي يعكس إعادة تموضع في سوق الطاقة العالمية، ومحاولة للتحرر من قيود الحصص التي تفرضها "أوبك+".
تحذيرات عراقية: "توجه خطر" يهدد مستقبل المنظمة
في هذا السياق، وصف المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، الخطوة الإماراتية بأنها "توجه خطر" على مستقبل "أوبك"، محذراً من تداعياتها على قدرة المنظمة في ضبط استقرار الأسواق العالمية.
وقال صالح لـ"الاقتصاد نيوز"، إن "إقدام دولة الإمارات العربية المتحدة على ترك منظمة أوبك، هو توجه خطر لمستقبل هذه المنظمة، لأنه يهددها تدريجياً كاتحاد للمنتجين يتولى ضبط الأسعار وضبط الفائض النفطي في الأسواق، وبالتالي مواجهة قوى المستهلكين في العالم".
وأشار إلى أن الإمارات، بوصفها ثالث أكبر منتج في "أوبك" بعد العراق، تسعى إلى رفع إنتاجها من نحو 3.5 مليون برميل يومياً إلى ما يقارب 6 ملايين برميل، وهو ما سيخلق – بحسب تعبيره – "وضعاً تنافسياً داخل أوبك".
وأضاف: "قرار الإمارات سيؤدي إلى استحواذها على حصص سوقية على حساب العراق ودول أخرى، ما قد يفضي إلى هبوط كبير في أسعار النفط".
ورغم ذلك، يرى صالح أن هذا الخروج قد لا يكون دائماً، موضحاً: الإمارات قد تضطر لاحقاً إلى التنسيق مع أوبك، لأن أي ضرر يصيب الأسعار سيؤدي إلى ضرر جماعي، وبالتالي تحتاج إلى تفاهمات".
ووصف الخطوة بأنها "مؤقتة" تهدف إلى كسر قيود الحصص والاستفادة من الأسعار المرتفعة، قائلاً: "هي تريد بيع كميات أكبر لأن الأسعار مجزية، وهناك أزمة في الطاقة، وبالتالي تسعى للاستفادة القصوى من هذه الفرصة".
سيناريوهات بديلة: نحو تحالفات طاقة جديدة؟
صالح لم يستبعد تحولات أعمق في بنية سوق الطاقة، مشيراً إلى احتمال ظهور تكتلات جديدة موازية لـ"أوبك"، قائلاً:
"قد نشهد مستقبلاً إنشاء منظمة أخرى للطاقة تضم الولايات المتحدة والإمارات وفنزويلا ودولاً أخرى مثل المكسيك والنرويج، في تنافس مباشر مع أوبك".
وأضاف أن، أسواق الطاقة خطرة وحساسة، وليس من الممكن أن تنفرد دولة واحدة بهذا الشكل، ما لم تدخل ضمن تفاهمات أوسع.
كما لفت إلى أن الإمارات تمتلك بدائل لوجستية لتجاوز أزمات النقل، رغم تأثرها بإغلاق مضيق هرمز، عبر خطوط تصدير على بحر العرب، مؤكداً أن مستقبل الطاقة بعد صدمة هرمز ليس كما قبلها، وخروج الإمارات يعطي إشارة لتحول استراتيجي في منظومات عرض وبيع الطاقة".
قراءة اقتصادية: التأثير مؤجل بسبب صدمة هرمز
من جانبه، قدّم الخبير الاقتصادي كوفيد شيرواني قراءة مختلفة لتوقيت وتأثير القرار، معتبراً أن انعكاساته الفعلية لن تكون واضحة فوراً.
وأوضح شيرواني لـ"الاقتصاد نيوز" أن انسحاب الإمارات، وهي من أكبر المنتجين في تحالف أوبك+ بإنتاج يقارب 3.4 مليون برميل يومياً، سيؤثر على تماسك وقوة المنظمة، لكن هذا التأثير لن يظهر حالياً بسبب إغلاق مضيق هرمز.
وبيّن أن الأسواق فقدت نحو 20 مليون برميل يومياً من الإمدادات الخليجية نتيجة هذا الإغلاق، ما أدى إلى تراجع الإنتاج والصادرات لدى جميع الدول.
وأضاف: "قد ترتفع صادرات الإمارات إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً، أي بزيادة تقارب 600 ألف برميل، لكن تأثير ذلك يعتمد على قدرة السوق العالمية على امتصاص هذه الكميات".
وأشار إلى مفارقة لافتة: "كان من المفترض أن يؤدي القرار إلى انخفاض الأسعار، لكن ما حدث هو العكس، حيث ارتفعت الأسعار بسبب العوامل الجيوسياسية، وعلى رأسها استمرار إغلاق مضيق هرمز وتراجع فرص إعادة فتحه".
يأتي هذا التطور في سياق تصاعد التوترات الإقليمية، لا سيما الحرب المرتبطة بإيران، والتي أثرت بشكل مباشر على أمن الإمدادات، خصوصاً عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
كما يعكس القرار تصاعد التنافس بين الإمارات والسعودية، ليس فقط في سياسات النفط، بل في مجالات أوسع تشمل النفوذ الجيوسياسي وجذب الاستثمارات.
ويرى محللون أن خروج الإمارات قد يضعف من هيمنة "أوبك" على السوق، ويفتح المجال أمام إعادة توزيع الحصص والنفوذ داخل وخارج المنظمة، خصوصاً مع امتلاك الإمارات طاقة إنتاجية فائضة تمكّنها من زيادة المعروض بسرعة عند استقرار الأوضاع.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام