
مع استمرار اغلاق مضيق هرمز تظهر تداعياته على هيكل الاقتصاد العراقي حالة بنيوية يصبح فيها استقرار الاقتصاد الوطني معتمدًا بشكل شبه كامل على مسار واحد لتدفق الإيرادات الحيوية، مسار تصدير النفط عبر الموانئ الجنوبية ثم مضيق هرمز. هذه الحالة تعني اعتمادًا مزدوجًا على سلعة واحدة وعلى طريق نقل واحد في الوقت نفسه، ما تشكل نقطة اختناق مزدوجة تضاعف من درجة الهشاشة الاقتصادية.
في الاقتصادات الطبيعية ، تكون المخاطر موزعة عبر تعدد مصادر الدخل وتنوع قنوات التصدير. لكن في العراق، نجد أن أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة تأتي من النفط، وأكثر من 85% من هذه الصادرات تمر عبر منفذ بحري واحد. فمع غياب المنافذ البديلة لمضيق هرمز فان هذا التركيب يضع الاقتصاد ضمن ما يشبه الدائرة المغلقة، حيث يرتبط الإنتاج والإيراد والاستقرار المالي بسلامة نقطة جغرافية واحدة خارج السيطرة الكاملة للدولة واعتبارها متغيرا خارجيا يتحكم بجانب الايراد من الموازنة . اذ تكمن خطورة هذه النقطة انها لا تؤدي إلى انخفاض جزئي في النشاط الاقتصادي فحسب، بل إلى تؤدي الى صدمة شاملة. فإذا ما استمر اغلاق هرمز ، فإن قدرة العراق على تصدير النفط تنخفض بشكل حاد قد يصل إلى خسارة تتجاوز 2.5 إلى 3 ملايين برميل يوميًا. وبحساب متوسط سعر 90 دولارًا للبرميل، فإن ذلك يعني خسارة مباشرة تقارب 245 مليون دولار يوميًا، أي ما يقارب 7 إلى 9 مليارات دولار شهريًا. هذه الخسارة لا تمكث في نطاق قطاع النفط فقط، بل تنتقل فورًا إلى الموازنة العامة التي تعتمد بنسبة تقارب 90% على هذه الإيرادات.
الأثر الأعمق لنقطة الاختناق المزدوجة يظهر في ما يُعرف في الاقتصاد الكلي بـانتقال الصدمة Shock Transmission فبعد توقف او تراجع تدفق الدولار من النفط، سيحدث انكماش متسلسل بدأ بالموازنة العامة، ثم الإنفاق الحكومي، ثم سوق العمل، ثم الطلب الكلي. وبسبب ضعف القطاع الخاص، لا توجد آلية امتصاص طبيعية للصدمات، ما سيؤدي إلى تضخم أثر الأزمة بدل تحجيمه. ولهذا السبب يمكن أن تتحول صدمة النقل إلى انكماش اقتصادي قد يتجاوز 35% من النشاط الاقتصادي الكلي.
كما أن نقطة الاختناق هذه لن تؤثر فقط على التدفقات الحالية، بل تؤثر على التوقعات الاستثمارية . فارتفاع المخاطر في مسار واحد يرفع ما يُعرف بـعلاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يؤدي إلى زيادة كلفة التأمين والنقل، ، وتذبذب سعر الصرف في غياب او شحة النقد الاجنبي ومنه انخفاض ثقة المستثمرين. وهذا يعني أن مجرد وجود الاعتماد الأحادي يفرض كلفة اقتصادية مستمرة على الاقتصاد العراقي فتتراجع مساهمة القطاعات غير النفطية التي لا تتجاوز في أفضل الأحوال 30%من الناتج المحلي الاجمالي.
المشكلة الأخطر في هذا النموذج أنه يسير في حلقة مغلقة، فالإيراد النفطي الشحيح هنا لا يتوقع منه ان يؤدي إلى تنويع يذكر في النشاط الاقتصادي، بل من المؤكد ان يؤدي إلى تعزيز الاعتماد على الانفاق الحكومي في تخصيص الموارد وإعادة التوزيع، ما يركز من ضعف القطاع الانتاجي ويزيد من صعوبة الخروج من الحلقة. ومن ثم تصبح نقطة الاختناق ليست معضلة جغرافية (مضيق هرمز)، بل معضلة هيكلية داخل الاقتصاد نفسه الذي بات متوقفا عند نقطة تجعل استقراره مرهونًا بالعامل الخارجي.
ان من تداعيات هذا الاختناق على القطاع النقدي نجده مؤثرا بصورة مباشرة على تطبيق سياسة استهداف التضخم في العراق، إلى حد ما يجعلها أقرب إلى هدف نظري منها إطارا عمليا قابلا للتحقق. فاستهداف التضخم يفترض وجود بنك مركزي قادر على التحكم بالكتلة النقدية وسعر الفائدة ضمن بيئة مستقرة نسبيًا من حيث تدفقات العملة الأجنبية، بينما في الحالة العراقية يتحدد الاستقرار النقدي أساسًا عبر تدفقات الدولار النفطي، وليس عبر أدوات السياسة النقدية التقليدية. فبعد تعطل تصدير النفط ، يواجه البنك المركزي صدمة مزدوجة تتمثل في انكماش عرض النقد الأجنبي يقابله ضغط تصاعدي في المستوى العام للأسعار. إذ يؤدي انخفاض تدفق الدولار—الذي ي تراوح طبيعيًا بين 8 إلى 9 مليارات دولار شهريًا—إلى اختلال فوري في سوق الصرف، حيث يصبح الدفاع عن سعر الدينار أكثر كلفة، ويضطر البنك المركزي إلى استخدام احتياطياته التي قدرت بنحو 100 إلى 110 مليارات دولار. ومع استمرار الصدمة، يتحول سعر الصرف من أداة استقرار إلى مصدر تضخم مستورد، خصوصًا أن أكثر من 70% من سلة الاستهلاك في العراق تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الاستيراد .
في هذا السياق، يفقد استهداف التضخم شرطه الأساسي، وهو القدرة على توجيه التوقعات. فالتضخم في العراق لا ينشأ أساسًا من فائض الطلب المحلي الذي يمكن كبحه برفع أسعار الفائدة، بل من صدمات عرض خارجية مرتبطة بسعر الصرف وتكاليف الاستيراد. وعندما ترتفع الأسعار نتيجة تراجع قيمة العملة، فإن رفع الفائدة لا يعالج السبب، بل يفاقم الركود، لأن الاقتصاد يعتمد على الإنفاق الحكومي أكثر من اعتماده على الائتمان الخاص. وبما أن الإنفاق الحكومي نفسه يتقلص بفعل تراجع الإيرادات النفطية، فإن الاقتصاد يدخل في حالة ركود تضخمي يصعب معالجتها بأدوات نقدية تقليدية. ما يتبعه تباطؤ للنمو الاقتصادي يمكن أن يغذي بدوره إلى ركود اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
والأخطر أن قناة انتقال السياسة النقدية عبر الفائدة ضعيفة أصلًا، إذ لا يتجاوز حجم الائتمان المصرفي للقطاع الخاص 15% من الناتج المحلي الإجمالي ، ما يعني أن تغيير سعر الفائدة لا ينعكس بفعالية على الاستثمار أو الاستهلاك. وفي ظل هذه المحدودية، اصبح سعر الصرف هو الأداة الفعلية الوحيدة، لكن هذه الأداة نفسها تعتمد على تدفقات الدولار من النفط، ما يعيد ربط السياسة النقدية بحلقة الاختناق الجغرافي الخارجي. بمعنى آخر، ان البنك المركزي لا يستهدف التضخم بقدر ما يستهدف الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وهذا الاستقرار بدوره تابع لمتغير خارجي. بعبارة أخرى ان الاستقرارين الاقتصادي والنقدي في العراق لم يعودا منفصلين، بل أصبحا حلقة واحدة تعتمد على عامل خارجي حاسم هو استمرارية تدفق النفط عبر مضيق هرمز. وعند أي اضطراب في هذا المسار، يتعرض الاقتصاد لانكماش سريع، بينما يفقد النظام النقدي قدرته على تثبيت الأسعار وسعر الصرف في الوقت نفسه، ما يكشف عن هشاشة بنيوية في أساس الاستقرار ذاته.
بذلك، يتحول استهداف التضخم في العراق من سياسة قائمة على أدوات داخلية إلى متغير تابع لسلامة مسار خارجي، ما يفقده استقلاليته ويقوض فعاليته. فالمشكلة ليست في تصميم الإطار النقدي، بل في البنية الاقتصادية التي تجعل التحكم بالتضخم مرهونًا بتدفق مورد واحد عبر ممر واحد. وفي ظل هذه البنية، لا يمكن تحقيق استقرار سعري مستدام إلا بمعالجة أصل الاختناق، أي فك الارتباط بين الاستقرار النقدي ومسار تصدير النفط، ، وتنويع مصادر العملة الأجنبية وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وإلا سيبقى استهداف التضخم هدفًا هشًا يتعرض للانهيار مع كل صدمة خارجية.
وهنا يرتبط أداء الأدوات النقدية في العراق ارتباطًا عضويًا بمضيق هرمز، ما يجعل السياسة النقدية في جوهرها انعكاسًا لسلامة هذا المسار الجغرافي الخارجي أكثر من كونها نتاجًا لأدوات داخلية مستقلة. فسعر الفائدة، الذي يُفترض أن يكون الأداة الرئيسة لضبط الطلب الكلي، يفقد قدرته على التأثير في بيئة لا يتجاوز فيها الائتمان المصرفي للقطاع الخاص 15% من الناتج المحلي الإجمالي. وحتى مع رفع الفائدة بمقدار 2 إلى 3 نقاط مئوية، فإن الأثر يبقى محدودًا، لأن التضخم في هذه الحالة لا ينشأ من فائض الطلب، بل من تراجع سعر الصرف وارتفاع كلفة الاستيراد. في المقابل، يؤدي هذا الرفع إلى زيادة كلفة التمويل في اقتصاد يعتمد في غالبه على الإنفاق الحكومي، ما يعمّق الأثر الانكماشي بدل احتوائه. في المقابل، يتحول سعر الصرف إلى الأداة المحورية، لكنه يصبح في الوقت ذاته أكثر الأدوات ضعفا. فاستقرار الدينار يتطلب ضخ ما بين 200 إلى 300 مليون دولار يوميًا في السوق، وهو ما كان يُغطّى سابقًا من الإيرادات النفطية الجارية. ومع تراجع هذه الإيرادات، يُضطر البنك المركزي إلى تمويل هذا الضخ من الاحتياطي الأجنبي الذي يتراوح بين 100 و110 مليارات دولار. وإذا استمر السحب بمعدل يتراوح بين 5 إلى 8 مليارات دولار شهريًا، فإن الاحتياطي قد يتآكل بنسبة تصل إلى 30% خلال ستة أشهر، وبنحو 50% خلال عام واحد، ما يضعف القدرة على الدفاع عن سعر الصرف ويفتح المجال أمام تراجع قد يتجاوز 20% إلى 30% في قيمة العملة في سيناريو ممتد.
ومن جانب آخر فعمليات السوق المفتوحة، تتعرض لانخفاض الفاعلية في بيئة ترتبط فيها السيولة المحلية مباشرة بالإيرادات النفطية. فبعد تراجع هذه الإيرادات، امسى البنك المركزي لا يواجه فائضًا نقديًا ليسحبه، بل نقصًا في الموارد، ما يقلص قدرته على إدارة العرض النقدي. ومع اعتماد الاقتصاد على الإنفاق الحكومي الذي يشكل أكثر من 45% من الناتج المحلي، فإن أي انكماش في هذا الإنفاق بنسبة 30% يترجم إلى انكماش اقتصادي قد يصل الى 35%، ما يضعف أساسًا أي محاولة لاستخدام أدوات نقدية تقليدية.
و نلمس تداعيات اغلاق مضيق هرمز كذلك في حجم احتياطي العراق من العملة الأجنبية الذي يعاني من تراجع يعكس انتقاله من أداة للاستقرار إلى وسيلة لتمويل العجز، في ظل فجوة متزايدة بين الإيرادات والنفقات. فقد انخفض الاحتياطي بنحو 4.5 تريليون دينار (3.4 مليار دولار) أول شهرين من 2026، وبمقدار 14.2 تريليون دينار خلال أربع سنوات، ما يدل على انخفاضه المستمر، و نتيجة لاستمرار الحرب ولإغلاق مضيق هرمز ولعدم وجود منفذ بديل عنه لتصدير النفط ، لم تعد الإيرادات تغطي سوى 25% من الحد الأدنى للإنفاق الشهري وأقل من 13% من الحد الأعلى، ما يفرض الاعتماد على الاحتياطي لتغطية عجز قد يصل إلى 8ترليون دينار شهريًا.وبذلك، يتحدد مسار الاحتياطي اليوم بعامل جغرافي خارجي أكثر من كونه نتيجة لعوامل سعرية، ما يجعله عرضة للتآكل السريع ويكشف عن هشاشة هيكلية في الاقتصاد تعتمد على مورد واحد ومسار واحد لتدفقه.
في ظل هذه المعطيات، يصبح انتقال الصدمة سريعًا إلى المستوى السعري، إذ يعتمد أكثر من 70% من الاستهلاك المحلي على الاستيراد ، ما يجعل أي تراجع في قيمة العملة ينعكس مباشرة على التضخم. وفي غياب أدوات نقدية فعالة، قد ترتفع معدلات التضخم خلال فترة قصيرة، ليس نتيجة توسع نقدي، بل نتيجة اختلال في تدفق العملة الأجنبية.
بهذا المعنى، لا تفقد الأدوات النقدية في العراق فعاليتها فحسب، بل تتحول إلى أدوات تابعة لمتغير خارجي واحد، هو استمرار تدفق النفط عبر مسار جغرافي محدود. وعند تعطل هذا المسار، تتعطل معه قدرة السياسة النقدية على أداء وظائفها التقليدية، لتتحول من أدوات ضبط واستقرار إلى أدوات إدارة أزمة، في اقتصاد يعتمد في غالب إيراداته على مورد واحد، وبأكثر من 85% من صادراته على منفذ واحد، ما يجعل استقراره النقدي رهينة معادلة جيوسياسية قبل أن يكون نتيجة سياسة اقتصادية. لذا لابد على صانع القرار ان يعمل على بناء سياسات تصدير نفطية مرنة على المستوى قصير الاجل ومتوسط الاجل وطويل الاجل كل حسب توقيتاته لتنويع منافذ تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام