
في اقتصاد العراق الذي يعتمد بصورة كبيرة على إيرادات النفط في تكوين الناتج المحلي الإجمالي ، ومع تداعيات صدمة الحرب، تصبح أدوات الدين الداخلي ضرورة لتأمين استمرارية الإنفاق العام. ومن بين هذه الأدوات، يظهر خصم الحوالات كآلية تمويلية رئيسية في العراق، تُستخدم لتوفير السيولة السريعة، لكنها في المقابل تكشف عن اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد المالي والنقدي.
اذ تشير بيانات البنك المركزي العراقي وتقارير وزارة المالية العراقية إلى استمرار الاعتماد على مزادات حوالات الخزينة قصيرة الأجل، بآجال تتراوح بين 7 و90 يوماً، وبعوائد سنوية تدور بين 4% و7%. ووفق تقديرات مستندة إلى تقارير صندوق النقد الدولي لعامي 2025–2026، يقترب الدين الداخلي للعراق من 90 تريليون دينار، تشكل حوالات الخزينة ما بين 25 و40 تريليون دينار منها، أي ما يقارب ثلث الدين . هذا الحجم الكبير يعكس تحوّل خصم الحوالات من أداة مؤقتة إلى وسيلة تمويل تشغيلية دائمة، خصوصاً مع احتياجات الإنفاق الشهري التي تتراوح بين 4 و6 تريليونات دينار لتغطية الرواتب والنفقات الجارية. وبدلاً من أن تكون أداة لإدارة السيولة، أصبحت جزءاً من دورة التمويل الاعتيادية للموازنة.
غير أن الكلفة الحقيقية تظهر في القطاع المصرفي. فبحسب مؤشرات البنك الدولي، لا يزال الائتمان الممنوح للقطاع الخاص في العراق دون 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالاقتصادات النامية. يعزى ذلك جزئياً إلى استحواذ الدين الحكومي على ما بين 50% و65% من أصول بعض المصارف، ما يخلق ظاهرة "المزاحمة الائتمانية" ويحد من تمويل الأنشطة الإنتاجية.
كما تشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن توجيه ما يصل إلى 15% من السيولة المصرفية نحو أدوات الدين الحكومي، ومنها حوالات الخزينة، يضعف كفاءة الوساطة المالية ويقيد النمو الاقتصادي. وفي ظل هذا الواقع، تميل المصارف إلى الاستثمار في أدوات منخفضة المخاطر مثل الحوالات، بدلاً من تمويل مشاريع القطاع الخاص.
وعلى الصعيد النقدي، لا يُعد خصم الحوالات إصداراً مباشراً للنقود، إلا أن تدخل البنك المركزي العراقي عبر إعادة خصم هذه الأدوات أو دعم المصارف يمكن أن يؤدي إلى توسع غير مباشر في عرض النقد، بما يتراوح بين 3% و6% سنوياً وفق تقديرات تحليلية مستندة إلى اتجاهات السيولة، وهو ما قد يخلق ضغوطاً تضخمية كامنة.
الأكثر حساسية هو الترابط المتزايد بين المخاطر السيادية والمصرفية. فكلما زادت حيازة المصارف للدين الحكومي، أصبحت أكثر عرضة لأي تدهور في الوضع المالي. وتشير سيناريوهات صندوق النقد الدولي إلى أن انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 70 دولاراً للبرميل قد يدفع الحكومة إلى توسيع الاعتماد على التمويل الداخلي، بما في ذلك خصم الحوالات، بنسبة قد تتجاوز 20%، ما يعمّق الضغوط على السيولة ويزيد من هشاشة النظام المالي.
في المحصلة، يقدّم خصم الحوالات مثالاً واضحاً على التناقض المالي في العراق: أداة توفر الاستقرار قصير الأجل، لكنها لا تؤدي الى معالجات حقيقية في هيكل الاقتصاد . فاستدامة المالية العامة لا يمكن أن تعتمد على التمويل قصير الأجل وحده، بل تتطلب إصلاحات أوسع تشمل تنويع الإيرادات، وتعزيز دور القطاع الخاص، وإعادة توجيه السيولة المصرفية نحو الاستثمار المنتج.
وفي ظل هذه التحديات، يبرز السؤال الآتي: هل سيبقى خصم الحوالات أداة لإدارة السيولة في العراق، أم ان هنالك قنوات أخرى بديلة عن خصم الحوالات؟ قطعا ان هنالك ثمة أدوات دين أخرى غير خصم الحوالات، لكن في حقيقة الامر يمكن القول ان في غالبها تعني واحدا من ثلاثة مسارات صعبة:
أولاً: تقليص الإنفاق فعلياً: وهذا يشمل تجميد التوظيف، خفض النفقات التشغيلية، وإعادة ترتيب الأولويات داخل الموازنة. لكنه لا يمس الرواتب بشكل كبير، لذلك أثره محدود إذا استمرت الأزمة.
ثانياً: إدارة الطلب على الدولار بدل خلق نقود جديدة: أي تقليل الاستيراد، وتشديد الرقابة على التحويلات، وتقليص حركة نافذة بيع العملة. هذا يخفف الضغط على الاحتياطيات لكنه يرفع الأسعار داخلياً.
ثالثاً: التمويل الداخلي غير التضخمي نسبياً مثل إصدار سندات حكومية حقيقية تمتص السيولة من السوق بدل خلق نقود جديدة. ونجاحه في العراق محدود بسبب ضعف السوق المالية.
أما بدون أي من هذه الأدوات، فسيصبح خصم الحوالات شبه حتمي لتمويل الرواتب، لأنه لا يوجد مصدر بديل سريع للدينار في ظل توقف تصدير النفط.
لذا يمكن لأداة خصم الحوالات ان يؤجل الأزمة، لكنه لن يقود الى إلغائها، لأن المشكلة الأساسية هي فقدان القيمة الريعية مصدرا للدولار نفسه في المقام الأول ، ومن المحتمل ان تتحول هذه الأداة إلى مؤشر مبكر على أزمة مالية أعمق في حال تعذر البديل عنها او في حال استمرار شحة الإيرادات النفطية ؟
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام