
د. هيثم حميد مطلك المنصور
في اجواء الأزمات الكبرى، لا يختبر الاقتصاد بقدرته على النمو فحسب، بل بقدرته على البقاء دون موارده الأساسية. والعراق بوصفه احادي المورد، يجد نفسه في موقع هشّ أمام أي صدمة تصيب قطاعه النفطي. فالنفظ هو العمود الفقري الذي تتكئ عليه المالية العامة، والركيزة التي يستند إليها الاستقرار المالي والنقدي. ومن هنا، فإن توقف الصادرات النفطية، ولو مؤقتاً، لا يمثل سيناريو افتراضياً بعيداً، بل اختباراً حقيقياً لحدود النموذج الاقتصادي القائم.
وفي ظل استمرار توقف الصادرات النفطية العراقية لفترة ممتدة، فإن الاقتصاد لا يواجه مجرد أزمة مالية عابرة، بل يدخل في طور انقطاع في هيكل الصادرات. فالعراق، بوصفه اقتصاداً ريعياً، يعتمد بصورة شبه كلية على تدفقات الدولار الناتجة عن تصدير النفط، والتي تتراوح في الظروف الاعتيادية بين 90 إلى 100 مليار دولار سنوياً، أي ما يقارب 7–8 مليارات دولار شهرياً عند مستويات أسعار وإنتاج متوسطة. هذه التدفقات لا تمثل إيرادات الموازنة فقط ، بل تشكل الأساس الذي تُبنى عليه قيمة العملة المحلية واستقرار النظام النقدي برمّته.
وباستمرار توقف هذا المورد وجدت وزارة المالية نفسها أمام فجوة تمويلية حادة. فإذا افترضنا أن حجم الإنفاق العام السنوي يقارب 150 تريليون دينار عراقي (نحو 100 مليار دولار)، وأن ما لا يقل عن 70–75% منه يذهب للرواتب والتقاعد، فإن توقف الإيرادات النفطية يعني عملياً فقدان ما يقارب 75% من مصادر التمويل. وفي أفضل الأحوال، قد لا تتمكن الحكومة من تغطية أكثر من 20–25% من الإنفاق عبر مصادر بديلة محدودة، مثل الصادرات عبر الصهاريج أو الرسوم والضرائب.
في هذه الحالة، يصبح اللجوء إلى خصم الحوالات لدى البنك المركزي خياراً شبه حتمي. فإذا احتاجت الحكومة، على سبيل المثال، إلى تمويل شهري بحدود 8–10 تريليونات دينار لتغطية الرواتب والنفقات الجارية، فإن هذا المبلغ سيُخلق نقدياً عبر التوسع في مطلوبات البنك المركزي. خلال ستة أشهر فقط، قد يصل هذا التمويل إلى 50–60 تريليون دينار من الإصدار النقدي الجديد، وهو رقم يعادل نسبة كبيرة من الكتلة النقدية القائمة.
غير أن هذا التوسع النقدي لا يقابله أي تدفق حقيقي للدولار. ففي الوضع الطبيعي، كانت إيرادات النفط قد تتجاوز 100 مليار دولار تتحول إلى احتياطيات أجنبية ، تُستخدم لتغطية الاستيراد والحفاظ على استقرار سعر الصرف. أما في هذه الحالة، فإن الموجودات الأجنبية في ميزانية البنك المركزي تبدأ بالتآكل. فإذا كان الاحتياطي بحدود 100 مليار دولار، وكان الطلب الشهري على الدولار لأغراض الاستيراد يتراوح بين 5 إلى 6 مليارات دولار، فإن الاحتياطي قد يتعرض لاستنزاف يتراوح بين 60 إلى 70 مليار دولار خلال سنة واحدة فقط، في حال استمرار نفس نمط الطلب.
المفارقة أن استمرار دفع الرواتب، الذي يتطلب ضخ كميات كبيرة من الدينار، سيؤدي إلى زيادة الطلب على السلع المستوردة، وبالتالي زيادة الضغط على الدولار. وهذا يعني أن كل تريليون دينار إضافي يُضخ في الاقتصاد من المحتمل جدا ان يتحول جزئياً إلى طلب على العملة الأجنبية، ما يسرع من وتيرة استنزاف الاحتياطيات. ومع تراجع صافي الموجودات الأجنبية من مستويات مريحة (100 مليار دولار مثلاً) إلى مستويات حرجة (أقل من 30–40 مليار دولار)، تبدأ الثقة بالدينار بالتآكل سريعا.
في هذه المرحلة، يظهر الأثر السلبي على سعر الصرف بوضوح. فإذا كان السعر الرسمي في حدود 1320دينار للدولار الواحد ، فقد يرتفع في السوق الموازي إلى 1500- 2000 دينار خلال أشهر، ومع استمرار الضغوط قد يصل إلى مستويات أعلى بكثير، خصوصاً مع توسع الفجوة بين العرض والطلب. هذا الارتفاع سينعكس مباشرة على مستويات التضخم، التي قد تتجاوز 30–50% سنوياً، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية المستوردة.
ما يحدث هنا تحول في طبيعة النظام النقدي. فالموازنة العامة، التي كانت تعتمد على إيرادات حقيقية بالدولار، باتت ممولة بإصدار نقدي داخلي مغطى بأصول مالية داخلية، بينما تتحول ميزانية البنك المركزي من الاحتفاظ بأصول أجنبية إلى تراكم ديون محلية على المصارف الحكومية. وفي غضون فترة زمنية قصيرة، قد ترتفع نسبة الأصول المحلية في ميزانية البنك المركزي من مستويات هامشية إلى أكثر من 50% من إجمالي الموجودات، مقابل تراجع حاد في الأصول الأجنبية.
النتيجة النهائية لهذا المسار هي أن استمرار الإنفاق، رغم ضرورته الاجتماعية، يتحول إلى عامل تسريع للأزمة بدلاً من احتوائها. فكل شهر إضافي من التمويل النقدي دون إيراد نفطي يقابله انخفاض في الاحتياطي، وارتفاع في الكتلة النقدية، وتدهور في سعر الصرف. ومع اقتراب الاحتياطي من مستويات حرجة لا تكفي لتغطية أكثر من 3–4 أشهر من الاستيراد، يدخل الاقتصاد في مرحلة فقدان السيطرة، حيث تصبح الخيارات محصورة بين تخفيض حاد في الإنفاق، أو فرض قيود صارمة على التحويلات، أو القبول بمستويات عالية من التضخم.
يتضح أن المشكلة لا تكمن في نقص الأدوات، بل في حدود النموذج الاقتصادي ذاته. فالاقتصاد عندما يفقد فجأة مورداً يوفر له ما يقارب 100 مليار دولار سنوياً، لا يمكنه تعويض ذلك عبر إصدار نقدي أو أدوات داخلية. وعليه، فإن ما يواجهه العراق في مثل هذا السيناريو ليس مجرد أزمة سيولة، بل أزمة في أساس توليد القيمة النقدية، قد لا يمثل ضمنها الدينار ثروة حقيقية بل يكون تعبيرا عن التزام داخلي، ويصبح استقرار النظام النقدي مرهوناً بقدرة محدودة زمنياً على استهلاك ما تبقى من الاحتياطيات .
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام