
أكد محلل في الاقتصاد السياسي أن مضيق هرمز لم يعد اليوم مجرد أداة أمنية أو ورقة ضغط عسكرية، بل بات يُعد «أصلًا جيو-اقتصاديًا»، معتبراً أن إيران تحملت لعقود تكاليف تأمين أمن ومراقبة وإدارة هذا الممر الحيوي دون أن تحصل على مقابل اقتصادي متناسب من الاقتصاد العالمي. وأضاف أن مفهوم «الإدارة الذكية لحركة المرور» يعكس نضجًا استراتيجيًا.
في رقعة الشطرنج للاقتصاد السياسي العالمي، نادرًا ما يوجد موقع يضاهي مضيق هرمز من حيث الوزن الجيوسياسي والجيو-اقتصادي. وفهم ديناميكيات هذا الممر المائي يتطلب تجاوز التحليلات السطحية والنظر بعمق إلى هياكل القوة والطاقة.
مضيق هرمز أصل جيو-اقتصادي
وحول استراتيجية إيران تجاه مضيق هرمز وتداعيات أي توتر في البنى التحتية للطاقة من منظور شامل واستراتيجي، قال علي رضا عباسي، محلل الاقتصاد السياسي والتجارة الدولية، في حديث لوكالة إرنا، إن فهم هذا الموضوع يتطلب التخلي عن النظرة التقليدية إلى مضيق هرمز، موضحاً أنه في التحليلات الحديثة لا يُنظر إلى المضيق بالنسبة لإيران على أنه مجرد «ممر أمني» أو أداة ضغط عسكرية، بل «أصل جيو-اقتصادي».
وأشار إلى أن الواقع الهيكلي يتمثل في أن إيران تكفلت لعقود بتأمين هذا الممر الحيوي ومراقبته وإدارته دون الحصول على عوائد اقتصادية متناسبة.
وأوضح أن مفهوم «الإدارة الذكية لحركة المرور» يعكس مستوى من النضج الاستراتيجي، حيث يتيح هذا النهج لطهران تنظيم «مخاطر» و«وتيرة» تدفق الطاقة دون اللجوء إلى إجراءات عسكرية حادة قد تؤدي إلى تصعيد غير قابل للسيطرة. وأضاف أنه في حال تم ترسيخ هذه الإدارة ضمن أطر مستقرة وقابلة للتنبؤ، فإن إيران ستنتقل من مجرد فاعل أمني إلى «منظّم لتدفقات الطاقة»، وهو ما يشكل جوهر الردع الذكي ويفتح الطريق أمام تحصيل حقوقها الاقتصادية في هذا الممر العالمي.
وفي ما يتعلق بتداعيات أي استهداف محتمل للبنية التحتية الحيوية في إيران، أكد أن أحد الأخطاء الشائعة في التحليلات هو الاعتقاد بإمكانية ضرب بنى تحتية لدولة محورية في الشرق الأوسط مع حصر تبعات ذلك داخل حدودها. وبيّن أن البنية التحتية الإيرانية، من شبكات الكهرباء المترابطة إلى مراكز الطاقة والموانئ، تتمتع بهيكل متعدد الطبقات وقدر نسبي من الصمود، وأن كثيرًا من التهديدات بشأن تدميرها تندرج في إطار الحرب النفسية.
وأشار إلى أن الخطر الأهم يتمثل في «تأثير الدومينو» ضمن اقتصاد عالمي مترابط، موضحاً أن أي اضطراب في هذه البنى سينعكس فوراً عبر عدة قنوات على الاقتصاد العالمي، منها صدمة في سلاسل الإمداد نتيجة تعطل إمدادات النفط والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال، وارتفاع كبير في تكاليف التأمين والنقل البحري، وحالة ذعر في الأسواق المالية تؤدي إلى قفزات مفاجئة في أسعار الطاقة، إضافة إلى انتقال موجة التضخم إلى الاقتصادات الصناعية في آسيا وأوروبا، واحتمالات الرد المتبادل وما يرافقه من أضرار تصاعدية، فضلاً عن تجميد الاستثمارات في مشاريع الطاقة بسبب حالة عدم اليقين.
وأوضح أن استقرار البنية التحتية في إيران لا ينفصل عن استقرار بنية اقتصاد الطاقة العالمي، وأن أي ضربة لإحداهما تعني انعكاسات مباشرة على الأخرى.
وحول سبل تطوير دور إيران في مضيق هرمز، قال إن وزن المضيق في الاقتصاد العالمي يجعل تجاهل الدور المحوري لإيران أمراً مستحيلاً، مشدداً على أن جوهر الاستراتيجية يتمثل في تحويل السيطرة التكتيكية إلى قوة مؤسساتية. وأضاف أن إيران بحاجة إلى إعادة تعريف إدارتها الحالية ضمن إطار شفاف يستند إلى منطق الاقتصاد السياسي.
وبيّن أن التحول إلى «منظّم رسمي لتدفقات الطاقة» يتطلب بناء آليات للحد من المخاطر النظامية لعبور الطاقة، ووضع معايير رقابية وتقديم خدمات ذات قيمة مضافة للملاحة البحرية، وربط أمن المضيق بمصالح اقتصادية ملموسة ومستدامة لإيران، إضافة إلى تثبيت موقعها كأحد أركان «الهندسة الجديدة لأمن واقتصاد الطاقة» في القرن الحادي والعشرين.
وأكد أن الأزمات الأخيرة أظهرت بوضوح أن أمن الملاحة في الخليج لا يمكن تحقيقه دون استقرار في إيران، داعياً النظام الدولي إلى الاعتراف بهذا الدور وإدراجه ضمن ترتيباته طويلة الأمد.
وفي ما يتعلق بكيفية استثمار هذا الموقع الجيو-اقتصادي في خدمة المصالح الوطنية، أشار إلى أن التاريخ المعاصر يثبت أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل «متغير حاسم في دبلوماسية الإكراه» وتوازن القوى، وأن أي تصعيد في الضغوط الجيوسياسية على إيران يقابله تفاعل سريع من الأسواق العالمية، ما يؤكد أن دورها في أمن الطاقة العالمي غير قابل للاستبعاد.
وختم بالقول إن المرحلة الحالية تتطلب «تحولاً في النهج»، بحيث تنتقل طهران من مقاربة أمنية-عسكرية إلى دور قانوني-اقتصادي، وأن تربط تكاليف تأمين المنطقة بحصة ملموسة من منافع الاقتصاد العالمي، وتحول المضيق من نقطة ضعف في أوقات الأزمات إلى مركز لإنتاج الاستقرار والثروة في زمن السلم، ما من شأنه أن يرفع مستوى دور إيران من «الردع التفاعلي» إلى «التأثير البنيوي الفاعل».
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام