
تظهر التحذيرات الأخيرة لمؤسسة " مورغان ستانلي" الى احتمال وقوع الدولار في فخ صعودي خلال الحرب الإقليمية الدائرة الان ، في إشارة الى تناقض واضح في سلوك الأسواق المالية، فقد يرتفع الدولار الأمريكي بقوة في الازمات ، لكن هذا الارتفاع قد لا يعكس بالضرورة قوة اقتصادية مستدامة، بل قد يكون استجابة قصيرة الاجل لصدمة جيوسياسية سرعان ما تنعكس آثارها لاحقًا .
ففي بدء المرحلة الأولى من الأزمات، يتجه المستثمرون عالميًا نحو الدولار بوصفه ملاذًا آمنًا واداة تسييل عالية وعملة احتياط عالمية ، وهو ما يفسر أن العملة الأمريكية تمثل ما يقارب 58–60% من احتياطيات البنوك المركزية عالميًا، وتُستخدم في نحو 80% من التجارة الدولية. هذا الطلب المفاجئ يدفع مؤشر الدولار (DXY) إلى الارتفاع، وغالبًا ما نشهد زيادات تتراوح بين 3% و7% خلال الأسابيع الأولى من الصدمات الجيوسياسية الكبرى. ومع تصاعد الحرب وارتفاع أسعار النفط التي قد قفزت بنسبة 15% إلى 25% ازداد الطلب على الدولار الناتج عن طلب الطاقة، ما يعزز مكاسبه قصيرة الأجل. في المقابل، فان اليورو يتعرض لضغوط واضحة، فمنطقة اليورو تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها من الطاقة. ومنه فان ارتفاع أسعار النفط والغاز يرفع فاتورة الواردات ويضغط على الميزان التجاري، ما يؤدي عادة إلى تراجع اليورو بنسبة قد تتراوح بين 2% و5% في المدى القريب خلال أزمات الطاقة. هذا التباين يعمّق الفجوة المؤقتة بين العملتين ويعطي انطباعًا بأن الدولار يدخل في موجة صعود قوية.
غير أن هذا الصعود، وفق رؤية " مورغان ستانلي" ، قد يكون مضللًا. فمع استمرار صدمة أسعار النفط العالمية ، تصحح الأسواق أثر التضخم الناتج عن ارتفاع الطاقة بسرعة، ومع ارتفاع المستوى العام للأسعار كانعكاس للصدمة ، فان الوحدات الاقتصادية تتوقع رفع أسعار الفائدة وبقاء السياسة النقدية مشددة، وهذا يدعم الدولار سريعًا. وهنا ستركز الأسواق على الأثر السريع للتضخم.
لكن سرعان ما تميل الى التقليل من أثر العامل الأكثر عمقًا بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي. اذ تشير النمذجة الاقتصادية إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط يمكن أن يقتطع نحو 0.2% إلى 0.4% من النمو العالمي خلال عام واحد. فاذا استمرت الأسعار فوق حدود 100 دولار للبرميل، فقد ينخفض النمو في منطقة اليورو إلى أقل من 1%، مع تنامي توقعات الركود، مما ينعكس على الاقتصاد الأمريكي فيتباطا من مستويات تقارب 2% إلى حدود 1% أو أقل.
وهنا يكمن التناقض. فالدولار القوي، الذي ارتفع بفعل صدمة الحرب، يتحول تدريجيًا إلى عامل ضغط داخلي على الاقتصاد الأمريكي. فارتفاعه بنسبة 5% إلى 10% يؤدي إلى تراجع أرباح الشركات متعددة الجنسيات بنحو 3% إلى 5% بسبب تأثير سعر الصرف، كما يضعف القدرة التنافسية للصادرات. ومع تزايد مؤشرات التباطؤ، قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تعديل مساره، سواء عبر إيقاف رفع الفائدة أو حتى خفضها، وهو ما يعيق واحدا من أهم أدوات السياسة النقدية تجاه دعم الدولار.
وتاريخيًا، تُظهر البيانات أن الدولار يميل إلى الارتفاع في بداية الأزمات ثم يفقد زخمه لاحقًا. ففي أزمات سابقة، مثل صدمة النفط أو التوترات الجيوسياسية الكبرى، حقق الدولار مكاسب أولية، لكنه تراجع لاحقًا بنسبة تراوحت بين 4% و8% خلال 3 إلى 6 أشهر مع انتقال تركيز الأسواق من “الخوف” إلى “الأساسيات الاقتصادية”.
بناءً على ذلك، فإن "الفخ الصعودي" يتمثل في دخول المستثمرين عند مستويات مرتفعة مدفوعين بزخم الأزمة، بينما تكون العوامل الداعمة الحقيقية قد بلغت ذروتها بالفعل. ومع تحوّل الاهتمام من التضخم إلى النمو، ومن الصدمة إلى التداعيات ينتقل الاستثمار الى الاتجاه المعاكس معلنا الدخول في تباطؤ وركود .
في المرحلة الحالية، يبدو الدولار متماسكا في الظاهر لأنه مدعوم بثلاث ركائز: الطلب عليه كملاذ آمن واداة تسييل واحتياطي عالمي ، وارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار موقف الفيدرالي المتشدد نسبيًا ، لكن هذه الركائز نفسها تحمل عناصر تآكلها الداخلي. فكلما طال أمد الحرب وارتفعت أسعار النفط، زاد الضغط على النمو الاقتصادي العالمي، وبدأت الأسواق تدريجيًا في إعادة التسعير بعيدًا عن الازمات نحو الأساسيات.
لذا فإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة فوق المائة دولار وبدأت مؤشرات النمو بالظهور تدريجيا، فإن احتمالات نكوص الدولار ترتفع إلى حدود 60% إلى 75% خلال مدة تمتد من 3 إلى 6 أشهر. وفي هذه الحالة، يتراجع الدولار غالبًا بنسبة 4% إلى 8% من ذروته. أما من ناحية التأثير الداخلي ، فإن ارتفاع الدولار بنسبة 5% يؤدي إلى:تراجع أرباح قناة الشركات الأمريكية بنحو 3% إلى 5% وانخفاض الصادرات بنحو 2% إلى 4% واقتطاع ما يقارب 0.2% إلى 0.4% من نمو الناتج المحلي الإجمالي الكلي نتيجة لارتفاع التكلفة . فإذا وصل ارتفاع الدولار إلى 10%، فإن هذه التأثيرات تتضاعف تقريبًا وعندها تصبح العلاقة غير خطية وانعكاسية في تأثيرها على الاقتصاد نحو الركود، فيدفع الفيدرالي إلى تخفيف السياسة النقدية .
من صفوة القول إن صعود الدولار في ظل هذه الحرب قد يتجه من القوة الى الضعف فهو مدفوع بطلب احترازي مؤقت، وليس بتحسن جوهري في النشاط الاقتصادي. وإذا ما استقرت إشارات التباطؤ العالمي، فإن هذا الصعود قد يتحول من مصدر قوة إلى نقطة تراجع، بما يعيد رسم العلاقة بين الدولار واليورو والأسواق العالمية في مرحلة ما بعد الصدمة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام