اقتصاديات التعقيد ومصادر النمو الخفية

الاقتصاد نيوز - بغداد

 

الدكتور عقيل جبر علي المحمداوي 

يُعدّ اقتصاديات التعقيد ظاهرة جديدة  سريعة التطور  ومرأة عاكسة  لتعقيدات  العمليات التجارية والاقتصادية واقتصاديات ترسيخ التعقيد انعدام الثقة، تكشف عن صورةٍ شاملة  للواقع، وعمليات كانت خفية  سابقاً ، وترابطات بين مختلف العناصر، مقدمة  حلول لمعظم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة. وهذا ما نجده جلياً في القرارات التجارية الحكومية  المتواترة في السوق الاقتصادية والتجارية في العراق في مطلع عام 2026 ،  اذ يلاحظ عدم  اتصافها بمرونة كافية للمراجعة واعطاء مدة زمنية  لاختبار سلامة التطبيق والتعديل،  ولكن يلاحظ اصرار  المجلس الوزاري للاقتصاد  على تعميق نهج التعقيد بتطبيق بعض القرارات والقوانين التي لا تنسجم مع اقتصاديات القيد المرن ومحاولة تكريس  القيد الصعب لاقتصاديات التجارة والاقتصاد المالي والسياسي،  وهو ما يجّٰذر تعقيد محركات  اقتصاديات التجارة والمالية واستمرار مصادر النمو الخفية وتوليد فجوات جديدة بشكل يقلل من  شفافية المؤشرات التجارية والمالية وما شابه ذلك .  واهمية ترسيخ اسس ومبادئ اقتصاديات ومؤشرات الثقة بدلاً من انعدام الثقة !!! 

 

من زاوية اخرى تُعرف اقتصاديات التعقيد بأنها قدرة الدول على إنتاج سلع وخدمات معرفية عالية التعقيد (كالآلات، الإلكترونيات) تعتمد على شبكات واسعة من المهارات والمعارف غير الملموسة. تكمن مصادر النمو الخفية في زيادة تنوع الصادرات (فضاء المنتجات) والترابط التكنولوجي، اذ يسهم تعقيد المنتج في زيادة النمو المستدام . 
والجدير بالاهتمام ان مفهوم التعقيد الاقتصادي: لا يُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة الدولة على إنتاج منتجات معقدة يصعب تقليدها وتتطلب معرفة ضمنية عالية. بينما مصادر النمو الخفية (فضاء المنتجات) تتجلى بـ:
الترابط المعرفي: تطور القدرات التكنولوجية والمعرفية للمجتمع، مما يسهل انتقاله من صناعة بسيطة إلى صناعات معقدة.
التنوع التصديري: المجتمعات ذات الصادرات المتنوعة والمعقدة (مثل الآلات المتطورة) تكون أكثر قدرة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
المقدرات غير الملموسة: تشمل المهارات البشرية، وتراكم التكنولوجيا، والقدرات التنظيمية التي لا تظهر في الحسابات التقليدية ولكنها تدفع الإنتاجية.

 

اذ قدّمت مارينا بويكوفا، الخبيرة البارزة في معهد HSE ISSEK ورئيسة تحرير مجلة Foresight، للحضور لمحة تفصيلية  عن المشهد الناشئ لاقتصاديات التعقيد، والجهات الفاعلة فيه، ومفاهيمه، وأدواته الجديدة، وإنجازاته، واتجاهات البحث فيه.
"اقتصاديات التعقيد ومصادر النمو الخفية"، على جوانبها الرئيسة  وأدواتها ومجالات البحث الواعدة . وابرز مخرجات اقتصاديات التعقيد  الأزمات الاقتصادية والمالية بمثابة  أحداث معقدة ناتجة عن عوامل متعددة، وتشمل الجوانب الاقتصادية الكلية والتجارة الدولية والاستيراد ، والجيوسياسية، والاجتماعية، والنفسية. تُعدّ الأزمات من المشكلات الرئيسية في الحياة الاقتصادية المعاصرة.
اذ تمثل فترات انكماش اقتصادي حاد، وتتميز بانخفاض حاد في النمو الاقتصادي والإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة، وانكماش قيمة الأصول، وانخفاض الاستثمار، وفقدان الاستقرار المالي، وتراجع مستوى الرفاه العام .

 

ويمكن التعرف على اهم أسباب الأزمات الاقتصادية والمالية ومنها اختلالات الاقتصاد الكلي. اذ يمكن أن يؤدي النمو الاقتصادي غير المتوازن، والاختلالات طويلة الأجل في التجارة الدولية، وعجز الموازنة والتضخم، والإفراط في الائتمان، والتوزيع غير المتكافئ للدخل والمدخرات إلى أزمات اقتصادية.
ومن الأمثلة على ذلك أزمة ديون منطقة اليورو، التي نجمت عن الدين العام، وتزايد العجز، وتدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي في بعض البلدان.  تشمل ايضاً ما يُسمى بالفقاعات والانهيارات المالية:
التطور غير المنضبط للادارة والاحداث المالية ، وانخفاض الشفافية في الأسواق المالية

 

اذ تنشأ الفقاعات المالية عندما ترتفع قيمة الأصول بوتيرة أسرع من قيمتها الحقيقية، مما قد يؤدي إلى استثمارات ومضاربات غير عقلانية. وعندما تنفجر الفقاعة،
تنهار قيم الأصول، ويخسر المستثمرون أموالهم، وهذا قد يُثير الذعر في الأسواق المالية،
مما يؤدي إلى أزمة اقتصادية.

 

كما يتم عرض إحصاءات للمنشورات العلمية تُبيّن النمو المتسارع للاهتمام بهذا المجال ذي الأهمية المتزايدة. تتيح مبادئها وأساليبها التنبؤ بدقة أكبر بمسارات تطور النظام الاقتصادي، ووصفًا أكثر تفصيلًا وشمولًا لأنماط النمو والانكماش، واستجابات أكثر استباقية وفعالية، وتجنب المخاطر الشائعة. 

وقد رسخت مؤسسات التنمية الرائدة (مثل المفوضية الأوروبية) والجامعات (مثل هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وغيرها) مكانتها في هذا المجال، 

اذ تجري البحوث، وتطور أدوات التقييم، وتصوغ توصيات السياسات. وتنشر مجلات مرموقة، من بينها مجلة Nature، مقالات بانتظام حول هذا الموضوع، كما نشرت مجلتا ResearchPolicy وSustainability أعداداً  خاصة.

 

حددت أناستاسيا ليخاتشيفا (عميدة كلية الاقتصاد العالمي والشؤون الدولية في الجامعة الوطنية للبحوث - المدرسة العليا للاقتصاد) جانباً  رئيساً  من اقتصاديات التعقيد: 
"اقتصاديات انعدام الثقة". ينشأ انعدام الثقة في المقام الأول عند بناء علاقات مع شركاء جدد، وفي الشعور بأن الأنظمة القديمة تفقد أهميتها. توفر هذه الظروف فرصاً  واسعة للوكلاء الوسيطين (وكلاء الثقة). وبفضل سجلهم الحافل بالعمل مع مختلف الجهات الفاعلة لبناء علاقات ثقة قوية، أصبحوا ركيزة أساسية في "اقتصاد الثقة". يركزوا بشكل  اساسي على مجالات مثل مؤشرات تزايد انعدام الثقة، وتقييم مدى تقبل المخاطر، وتحديد أقساط التأمين المثلى، والغرامات ومؤشرات توسع أو انهيار سلاسل الإمدادات،  وهو ما نلاحظه جلياً في واقع العراق الحالي ، وغير ذلك.

يعمل الباحثون المختصين تجارياً واقتصادياً  على تطوير نظريات اقتصادية  بديلة. ولا تزال إمكانية نمذجة الأنظمة المالية والتجارية  في هذه البيئة الجديدة محدودة، وتقتصر إلى حد كبير على تعديلات على النماذج الكلاسيكية التي تُدمج خصائص سلوكية محددة. يُؤدي تعقيد القطاع المالي إلى دورتين متعارضتين: فكلما زاد التعقيد، زادت الموارد المتاحة للأعمال التجارية، وزاد النمو الاقتصادي، ولكن في الوقت نفسه، تنشأ صدمات مالية داخلية، ويزداد التفاوت في الدخل، ويزداد عدم الاستقرار.وهذه المخاطر التجارية والاقتصادية لا يمكن التكهن بنتائجها لكونها تقع خارج سيطرة السوق والإدارات الحكومية لذا نحن كمختصين وخبراء وباحثين مدعويين للتنبيه  والمراجعة المدروسة للقرارات ونهج التفكير الاقتصادي بما يحقق اعادة الحركة التجارية واعادة الثقة المتبادلة بين الشركات التجارية والتجار والصناعيين والجهات الاقتصادية الحكومية … بغية تدارك ما يسفر من نتائج غير متوقعة عن احداث معقدة ناتجة من عوامل متعددة  متأتية عن الاختلالات الاقتصاد الكلبي والتجارة الدولية والاستيراد والعودة إلى منهجية التوازن الاقتصادي والتجاري .


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 517
أضيف 2026/03/28 - 11:39 AM