
إذا كان أول ضحية للحرب هي الحقيقة، فإن البيئة لا تبعد كثيرًا عنها. كل إصابة تمثل كارثة إنسانية وبيئية، ستترك في المجمل إرثًا سامًا؛ إرث سيؤثر على المنطقة بأكملها لعقود قادمة.
منذ بداية شهر اسفند، سقطت آلاف القنابل والصواريخ الإسرائيلية-الأمريكية على مخازن النفط، والقواعد العسكرية، والمناطق الصناعية، ومنشآت إيران النووية. وبينما يُعد أي تدمير غير متحكم به ضارًا بالبيئة، فإن الهجمات على الناقلات النفطية في مياه الخليج ومضيق هرمز تحمل مخاطر إضافية مضاعفة على البيئة.
وقوع كارثة بحرية دولية
يعتقد خبراء البيئة أن النفط المتسرب في مياه الخليج يمكن أن يؤثر على التيارات المائية للدول المجاورة لمياه الخليج، وجميع الدول المجاورة مثل السعودية والإمارات. إن ضحالة المياه، والتبادل المحدود للمياه مع المحيط، ودرجة الحرارة المرتفعة في المنطقة، تحول هذه الكارثة البيئية بسرعة إلى أزمة إقليمية بل دولية، وستكون عملية تنظيفها صعبة جدًا ومكلفة للغاية، وبالتأكيد غير كاملة.
الحقيقة هي أن تسرب المواد النفطية ليس مجرد تلوث بسيط، بل هو انهيار للنظام البيئي يهدد مباشرة صحة سكان المنطقة، واقتصادها، وبيئتها في الوقت نفسه.
ليدا آشتياني، الخبيرة البيئية البارزة، أشارت في حديثها مع «رویداد 24» إلى التبعات الدولية لهذه الكارثة وصمت المنظمات الدولية قائلة: إن تغير المناخ هو أحد أهم التبعات التي يمكن أن يخلفها تسرب وانبعاث المواد النفطية. إن حماية البيئة البحرية لهذا الكوكب الأزرق واجب جماعي ومسؤولية عالمية، وإن خطر تسرب المواد النفطية في مياه الخليج سيكون بالتأكيد أحد أشد أنواع الكوارث البيئية خطورة.
وأضافت آشتياني مشيرة إلى تسرب المواد النفطية وتبعات هذه الكارثة البيئية متعددة الطبقات: إن لهذه الكارثة آثارًا مدمرة ملحوظة قصيرة وطويلة الأمد. من بينها أن دخول النفط الخام إلى الماء يؤدي إلى تشكل طبقة سميكة تمنع وصول ضوء الشمس، مما يقلل من عملية التمثيل الضوئي للعوالق النباتية، وبالتالي يقلل من الأكسجين الذائب في الماء ويؤدي إلى اختناق الكائنات البحرية.
تقول إن الموت الواسع للأسماك والروبيان والكائنات القاعية سيؤدي إلى اضطراب كامل في السلسلة الغذائية البحرية. كما أن مركبات الهيدروكربون العطرية تسبب أضرارًا لخياشيم الأسماك، وتسبب تشوهات جينية في اليرقات، وتعطل عملية التكاثر.
تدمير الحياة البحرية
تعتقد هذه الخبيرة البيئية أنه في هذا السياق، يغرق بقاء الأنواع المهددة بالانقراض مثل السلاحف البحرية في غموض كبير. ومن ناحية أخرى، ورغم أن مرجانيات الخليج تعد من أكثر المرجانيات مقاومة في العالم، إلا أن تعرضها للمواد النفطية يؤدي إلى اختناقها، وتراكم الرواسب النفطية يمنع نموها، مما يواجهها بخطر وجودي حقيقي. ومع ذلك، فإن إعادة بناء المرجانيات المدمرة قد تستغرق عقودًا، وقد لا تحدث أبدًا بشكل كامل.
وأضافت آشتياني أيضًا أن موت الطيور البحرية نتيجة التصاق النفط بريشها وتسممها بسبب ابتلاع المواد النفطية سيكون من التبعات الأخرى لهذه الكارثة البيئية.
ما يزيد من أبعاد هذه الأزمة هو أن النفط لا يبقى فقط على سطح الماء، بل يغوص جزء منه إلى قاع البحر، مما يسبب تلوثًا طويل الأمد بالرواسب النفطية لا يمكن إزالته بسهولة.
تأثير التلوث على حياة البشر
وبخصوص تأثير هذا التلوث على حياة الإنسان، أضافت: إن هذه التلوثات تبقى لسنوات أو حتى عقود، وعند دخولها إلى السلسلة الغذائية البشرية، ستترك آثارًا سلبية ومدمرة على الصحة، منها زيادة خطر الإصابة بالسرطانات، والإضرار بالجهاز العصبي، ومشاكل هرمونية، وهي مجرد جزء منها. كما أن بخار النفط يمكن أن يسبب مشاكل تنفسية لسكان المناطق الساحلية، ويهدد اقتصاد المنطقة.
التكلفة الباهظة للتنظيف وتدمير الصناعات
وحذرت هذه الخبيرة البيئية البارزة من تبعات هذه الكارثة قائلة: إن تدمير صناعة الثروة السمكية، وانخفاض السياحة الساحلية، إلى جانب التكاليف الباهظة جدًا لتنظيف المواد الملوثة، سيضع ضغطًا إضافيًا على اقتصاد البلد والمنطقة. وأبرز مثال على ذلك الكارثة النفطية التي حدثت في حرب عام ١٩٩١ في الخليج ، حيث تسرب ملايين البراميل من النفط إلى البحر وظلت آثارها قائمة لسنوات.
ما سيكون رد فعل المنظمات الدولية؟
الرئيس ترامب، الذي ينكر تغير المناخ، لا يبالي بتلوث المياه المحيطية بالنفط وتبعاته، ولا يزال يوسع نطاق الحرب إلى البحار.
إن تسرب ملايين البراميل من النفط في مياه الخليج يمثل أحد أخطر التهديدات التي تتعرض لها مياه الخليج الزرقاء ونظامه البيئي الفريد في كل لحظة. إن تسرب المواد النفطية إلى المياه المحيطية سيفرض تكاليف على الدول المجاورة، ويجعل هذه الدول شريكة في كارثة لا يمكن تعويضها.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام