الحرب الإقليمية وإعادة تصحيح العلاقة بين الذهب والدولار

 

 

د. هيثم حميد مطلك المنصور

                                                                 خبير اقتصادي

 

تدفع الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، النظام الاقتصادي العالمي إلى اختبار بنيوي عميق ، من مظاهره الواضحة ان يتعدى مستوى التذبذبالظرفي إلى إعادة تشكيل العلاقة الجوهرية بين الطلبين على الذهب والدولار. اذ خلقت هذه الحرب صراعًا على النفوذ النقدي والمالي، لتتقاسمه أدوات القوة الصلبة ومؤسساتالهيمنة الاقتصادية.

في هذا الاطار، يبرز سلوك الأسواق  كونه المؤشر الأكثر دلالة على هذا التحول، اذ  تم كسر القاعدة الكلاسيكية التي تفترض علاقة عكسية بين الذهب والدولار. فبدلًا من أن يؤدي تصاعد اتون الحرب إلى ارتفاع أحدهما على حساب الآخر، شهدنا صعودًا متزامنًا لكليهما، بما يعكس تحولًا نوعيًا في سلوك الاستثمار العالمي. فقد ارتفعت أسعار الذهب بنسبة تراوحت بين 10% و15% خلال موجات التصعيد، مدفوعة بتزايد المخاوف من التضخم واضطراب الاستقرار، في حين سجّل مؤشر الدولار ارتفاعًا تراوح بين 2% و 5% نتيجة الطلب المتزايد على السيولة الآمنة المتمثلة بالدولار . ولا تمثل هذه الأرقام مجرد تقلبات ظرفية، بل تعكس إعادة تعريف لمفهوم "الملاذ الآمن" فقد أصبحت هذه العلاقة مركبة ، حيث يتحول الذهب من بديل للدولار إلى أداة مكملة له في إدارة المخاطر، تعكس سلوك المستثمر الذي يسعى للتوازن في محفظته الاستثمارية بين الملاذ الآمن (الذهب) والسيولة الفورية (الدولار).

سياسيًا، تكشف هذه الظاهرة عن مفارقة واضحة ؛ إذ إن الحرب التي تهدف بعض أطرافها إلى تقويض الهيمنة الأمريكية، تسهم عمليًا في إعادة إنتاجها. ولا يعود ذلك إلى التفوق العسكري فحسب، بل إلى البنية المؤسسية العميقة التي يجسدها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فضلًا عن عمق الأسواق المالية الأمريكية التي تظل الوجهة الأولى لرؤوس الأموال في أوقات الأزمات. ومن هنا، يتضح أن الهيمنة النقدية ليست انعكاسًا مباشرًا للقوة السياسية، بل نتاج شبكة معقدة من الثقة والسيولة والتشابك المالي العالمي.

اقتصاديًا، يحتل النفط موقعًا محوريًا في هذه المعادلة، بوصفه الحلقة التي تربط بين الجغرافيا السياسية والأسواق النقدية. فالحرب، بحكم وقوعها في منطقة حيوية لإمدادات الطاقة، تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة قد تتجاوز 20% في فترات التوتر، وهو ما يعزز الضغوط التضخمية عالميًا ويدفع المستثمرين نحو الذهب. غير أن تسعير النفط بالدولار يخلق في الوقت ذاته طلبًا إضافيًا على العملة الأمريكية، ما يؤدي إلى نشوء علاقة طردية مؤقتة بين الذهب والدولار، بدل العلاقة العكسية التقليدية.

ومن زاوية أخرى، تُظهر العقوبات المفروضة على إيران تحول الأدوات الاقتصادية إلى وسائل ضغط استراتيجية، حيث دفعت بعض الدول إلى زيادة احتياطاتها من الذهب بنسبة تتراوح بين 5% و10%، في محاولة للتحوط من مخاطر النظام المالي القائم على الدولار. ومع ذلك، يبقى هذا التحول محدود التأثير، في ظل استمرار هيمنة الدولار على ما يقارب 60% من الاحتياطيات العالمية، مقابل حصة أقل بكثير للذهب، وهو ما يعكس صلابة البنية النقدية الدولية القائمة.

المحصلة النهائية، تكشف هذه الحرب عن دخول النظام الاقتصادي العالمي مرحلة انتقالية تتآكل فيها بعض مرتكزات الهيمنة التقليدية دون أن يظهر بديل متكامل قادر على  ان يحل محلها. وفي هذا الإطار، لم يعد الذهب أصلامنافسا للدولار، بل تحوّل إلى مكمل له ضمن استراتيجيات إدارة المخاطر. فالمستثمر المعاصر، سواء كان بنكًا مركزيًا أو صندوقًا سياديًا، لم يعد يلجأ الى خيار المفاضلة، بل يعتمد مزيجًا مزدوجًا يجمع بين الأصلين في مواجهة عدم اليقين.

لذا يمكن القول إن هذه الحرب، وفضلا عن انها تمارس اعادة رسم موازين القوى الجيوسياسية، فانها اقتصاديا تسهم في تشكيل العلاقة بين أهم ركيزتين في النظام المالي العالمي، الذهب والدولار ، انتقالا من العلاقة الصفرية التقليدية الى العلاقة المركبة بينهما، والتي لم تعد تحكمها اعتبارات السياسة بقدر ما تضبطها ميكانيزمات الاقتصاد، بما يشير إلى أن مستقبل النظام المالي الدولي سيتحدد بقدرة مؤسساته المهيمنة على إدارة التوترات ضمن شبكة معقدة من الأدوات والآليات والضوابط المالية والنقدية .


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 85
أضيف 2026/03/23 - 10:14 PM