
يتقاطع الملف الاقتصادي العراقي اليوم مع واحدة من أخطر نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية: مضيق هرمز. فمع تنامي التصعيد الأميركي–الإيراني، وتداول تقارير وتسريبات عن مواعيد محتملة لعمل عسكري أميركي ضد إيران، عاد المضيق إلى الواجهة ليس كممر ملاحي فقط، بل كورقة ضغط قد تُستخدم في لحظة انهيار المسارات الدبلوماسية.
ويتزامن هذا التوتر مع مفاوضات انطلقت في مسقط ثم انتقلت إلى جنيف، ومع حشد عسكري أميركي متزايد في المنطقة، بينما تراقب إيران حركة السفن عبر زوارق سريعة ومنصات صاروخية ورادارات ترصد تحركات الأسطول الأميركي.
ضمن هذا المشهد، لا يبدو الحديث عن هرمز مجرد سيناريو نظري. فالمضيق، وفق المعطيات المذكورة، يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، ويُمثل أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، ونحو 11% من حجم التجارة العالمية، ما يعني أن أي اضطراب فيه ستكون له “صدمة فورية” على الأسواق والطاقة والتأمين البحري وكلف الشحن.
ورغم استمرار عبور ناقلات النفط العملاقة وعدم توقف الحركة، إلا أن “الهدوء الحذر” الذي يخيّم على أضيق نقطة مائية في المنطقة يعبّر عن أن السوق يقرأ الاحتمالات قبل حدوثها، وأن مستوى المخاطر يُسعّر مسبقاً.
العراق بقلب الصراع
لكن الأكثر حساسية في هذا السياق هو موقع العراق داخل المعادلة. فالعراق، بخلاف بعض دول الخليج التي تملك منافذ وخطوطاً بديلة، يعتمد عملياً على التصدير عبر الجنوب مروراً بالخليج ثم مضيق هرمز.
وهنا تبرز تصريحات الخبراء كجرس إنذار مباشر لأنها تربط "السياسة" بالأثر المالي الفوري على الدولة والرواتب. الخبير بالشأن الاقتصادي نبيل المرسومي يضع السيناريو بلغة الأرقام: إذا أُغلق المضيق، سيُمنع العراق من تصدير نفطه جنوباً عبر البحر، لتتراجع الصادرات من 3.4 ملايين برميل يومياً إلى 210 آلاف برميل يومياً فقط؛ منها 200 ألف برميل عبر منفذ جيهان التركي و10 آلاف برميل يومياً إلى الأردن بواسطة الصهاريج. الأهم في طرح المرسومي أنه يفكك "وهم التعويض بالسعر": حتى لو أدى الإغلاق إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، فإن عائدات النفط العراقية ستنخفض من نحو 7 مليارات دولار شهرياً إلى أقل من مليار دولار، وهو مستوى “لا يكفي سوى لتغطية 14% من الرواتب”، حسب تقديره.
ويعيد المرسومي سبب الهشاشة إلى غياب البدائل الجاهزة، مؤكداً أن العراق، على عكس السعودية والإمارات وإيران، لا يمتلك حالياً طرقاً بديلة مكتملة لتصدير النفط، لينتهي إلى خلاصة قاتمة مفادها أن البلاد بلا حلول سريعة سوى "أمل منع الحرب أو منع الإغلاق".
هذا التوصيف يتقاطع مع ما يطرحه خبير النفط والطاقة كوفند شيرواني، لكن من زاوية أخرى توسّع دائرة التأثير وتُظهر حجم الاعتماد العراقي على المضيق.
شيرواني يذكّر بأن أي مواجهة عسكرية وإقدام إيران على غلق مضيق هرمز ستكون له تبعات كبيرة على التجارة العالمية وإمدادات النفط، لأن 20% من نفط العالم يمر عبر هذا الممر.
ثم ينتقل إلى الخاص العراقي: أكثر من 90% من النفط العراقي يُصدر عبر هرمز، ما يعني فقدان إيرادات نحو 3.5 ملايين برميل يومياً إذا توقف التصدير، وإذا استمر الإغلاق لمدة شهر واحد فإن العراق قد يخسر أكثر من 6 مليارات دولار، أي ما يقارب 90% من إيراداته العامة. هنا تتضح خطورة المسألة: المشكلة ليست ارتفاع السعر أو انخفاضه، بل "انقطاع الشريان" الذي يموّل الموازنة والدولة.
ويأتي تعليق الخبير النفطي حيدر عبد الجبار البطاط ليكمل الحلقة التحليلية ويعيد ضبط توقعات الجمهور: نعم، أسعار النفط غالباً ما ترتفع عالمياً عند أي تهديد لإمدادات الخليج، وقد يمنح ذلك العراق مكاسب مالية "مؤقتة" في الظروف الطبيعية، لكن البطاط يحذر من أن أي تعطيل فعلي للتصدير عبر الخليج أو إغلاق للمضيق سيعني تعطل الإيرادات رغم ارتفاع السعر عالمياً.
بمعنى آخر: السوق قد يدفع السعر للأعلى، لكن الخزينة العراقية لن تلتقط هذه المكاسب إذا كانت الأنابيب والموانئ لا تعمل، لأن الإيراد في النهاية حاصل ضرب السعر بالكميات المصدّرة، وحين تنخفض الكمية إلى جزء ضئيل يصبح "الارتفاع السعري" عاجزاً عن إنقاذ الموازنة.
وتتحدث سلسلة إشارات إعلامية متضاربة عن توقيت ضربة أميركية محتملة لإيران. نُقل عن “سي بي إس” حديث عن إمكان بدء الضربة اعتباراً من اليوم السبت، بينما أشارت “بي بي سي” إلى إبلاغ الجيش الأميركي البيت الأبيض بجاهزيته لتنفيذ ضربة اعتباراً من نهاية الأسبوع.
كما نُقل عن “أكسيوس” تقدير احتمالي مرتفع لعمل عسكري في الأسابيع المقبلة، وُصف بأنه قد يكون “ضخماً”. وبالموازاة، جاء في المادة نفسها أن التلفزيون الرسمي الإيراني أعلن إغلاق المضيق لعدة ساعات في إطار مناورات “التحكم الذكي بمضيق هرمز”، مع تصريحات قائد القوات البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري بأن قرار الإغلاق بيد كبار مسؤولي النظام وبأن الاستعداد قائم “في أي وقت”.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام