
تعيش محافظات جنوب العراق، وعلى رأسها ذي قار، أزمة حادة في الوقود، لا سيما البنزين، ألقت بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية وأربكت قطاع النقل وأثقلت كاهل المواطنين. فالأزمة التي تتجدد بصور مختلفة، كشفت عن هشاشة منظومة التوزيع، وضعف في الاستجابة الإدارية، رغم التصريحات الرسمية التي تحاول التقليل من حجم المشكلة.
وفي نهاية العام الماضي، قررت الحكومة العراقية، إيقاف استيراد وقود "البنزين، وزيت الغاز (الكاز)، والنفط الأبيض" وذلك لوصول الإنتاج المحلي منها إلى كميات تزيد على معدلات الاستهلاك المحلي.
وأعلن رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، يوم 25 أكتوبر 2025، أن حكومته وضعت خطة توفر قرابة 10 مليارات دولار لخزينة الدولة من خلال إيقاف استيراد البنزين والمشتقات النفطية بعد تحقيق الاكتفاء في إنتاجها داخل العراق.
الا أن مشهد الطوابير الطويلة أمام محطات في محافظة ذي قار، بات مألوفاً، المواطن وسام علي عبّر عن معاناته قائلاً: "حصة مدينة الناصرية من البنزين ضئيلة جداً، ونحن نعاني من هذه الأزمة منذ مطلع العام الحالي. يضطر المواطنون للوقوف لساعات طويلة في طوابير الانتظار أمام المحطات، وفي أحيان كثيرة ينفد الوقود قبل أن يصلنا الدور."
أما المواطن أبو رضا، الذي يعمل على بسطته يوميًا، فقد وصف الموقف قائلاً: "لا نعلم لماذا تتوالى الأزمات على ذي قار؛ نخرج من أزمة لنقع في أخرى، والآن جاء دور أزمة البنزين. نحن أصحاب بسطات وكسبة، وقد أرهقتنا هذه الأوضاع المتذبذبة. انعدام الوقود خلق حالة من الفوضى والازدحام الشديد."
في مواجهة هذا الواقع، أرجعت الحكومة المحلية في ذي قار سبب الأزمة إلى تقليص الحصة اليومية من الوقود إلى النصف أو أقل.
المتحدث باسم مجلس محافظة ذي قار، أحمد سليم، أوضح أن "بعد قرار إيقاف استيراد البنزين من الخارج، أصبحت مدينة الناصرية تعتمد كلياً على إمدادات بنزين البصرة".
وأضاف: "لقد انخفضت حصة المحافظة من مليون و500 ألف لتر إلى مليون و200 ألف لتر يومياً، وهذا النقص هو المحرك الأساسي للأزمة"، مشيرا إلى "تشكيل لجنة مشتركة مع شركة نفط ذي قار، والتوجه إلى البصرة خلال الأيام القليلة القادمة لمعالجة هذا الملف وضمان زيادة الحصة."
ورغم أن الأزمة امتدت لمحافظات أخرى، إلا أن وزارة النفط حاولت طمأنة الرأي العام من خلال تصريحات الناطق باسمها عبد الصاحب الحسناوي، الذي قال "نطمئن المواطن العراقي بأنه لا توجد أي أزمة في مادة البنزين، فالإنتاج اليومي مستقر ويبلغ 30 مليون لتر، والمخزون الاستراتيجي محفوظ ويبلغ 145 مليون برميل من الاحتياطي النفطي.
الحسناوي ربط بين الأزمة وزيادة غير مدروسة في عدد المركبات المستوردة، مضيفاً: "في الفترة الأخيرة، تم تحقيق الاكتفاء الذاتي، لكن الطلب المتزايد على المشتقات النفطية، خاصة من السيارات المستوردة دون تخطيط، يرهق ميزانية الدولة. نحن لا نريد العودة إلى الاستيراد، بل نسعى إلى السيطرة الدائمة على هذه المادة."
كما دعا المواطنين إلى "اعتماد منظومات الغاز، وتوسيع شبكة النقل العام، وتحذير المواطنين من الانجرار خلف الشائعات التي تعمق من هلع الطلب: "الحديث عن أزمة يثير الذعر ويزيد من الطلب غير الواقعي."
من جانب آخر، سلط محمد المسعودي، عضو مجلس محافظة كربلاء، الضوء على جانب فني من الأزمة، قائلاً "هناك خللاً في بعض المصافي أثر على الإنتاج المحلي بعد منع استيراد البنزين"، مبينا أن "مصفى كربلاء يعمل بشكل طبيعي، لكن بعض المصافي خارج المحافظة تواجه مشكلات فنية، ونتوقع أن يتم الانتهاء من هذه الأزمة خلال اليومين المقبلين."
في حين قدّمت الجهات الاقتصادية تقييمًا أكثر عمقًا وتحليلاً لما يحدث. الخبير في شؤون الطاقة ومدير مركز العراق للطاقة، فرات الموسوي، أكد أن هذه الشحة ليست طارئة بل متكررة، وقال لـ"الاقتصاد نيوز" إن "ما يحدث من شحة في المشتقات النفطية ليس أمراً جديداً، بل هو حالة متكررة تطال العديد من المنتجات، سواء النفط الأبيض أو البنزين المحسن أو غاز الطبخ، والآن البنزين العادي."
وانتقد الموسوي غياب الشفافية في الخطاب الحكومي، قائلاً: "وزارة النفط تفتقر إلى خلية إعلامية فاعلة تكون قادرة على توضيح ما يجري بشفافية للرأي العام، وهو ما يعد من أبرز النقاط المفقودة حالياً."
وأضاف أن الأزمة ناتجة عن سوء إدارة الملف وليس عن نقص فعلي في المادة، مشيرًا إلى أن ما تعلنه الوزارة من إنتاج يومي لا يُعد مخزونًا استراتيجيًا كافيًا".
وبين الباحث بالشأن الاقتصادي، أن "كمية بحدود 30 مليون لتر، حتى وإن كانت ضمن الحسابات الرسمية، لا ترقى لأن تكون خزيناً استراتيجياً آمناً. وما أعلنته وزارة النفط من توفر 130 إلى 135 مليون لتر من البنزين لا يغطي سوى استهلاك يومين فقط."
وأشار الموسوي إلى أن المصافي الكبرى، كمصفى كربلاء وبيجي، لم تبلغ طاقتها الإنتاجية الكاملة بعد، وكذلك وحدة FCC التي يُفترض أن ترفد السوق بـ 4 ملايين لتر يوميًا، ما يعني أن المنظومة لم تصل إلى كفاءتها التشغيلية، والنتيجة أزمة دائمة بأشكال مختلفة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام