
رئيس مركز العراق للطاقة د.فرات الموسوي
في الجغرافيا السياسية للطاقة، لا توجد منطقة أشد هشاشة من الخليج العربي، ولا دولة أكثر عرضة من العراق. فالعراق، المنتج لأكثر من 4.5 مليون برميل نفط يومياً، لا يمتلك أي منفذ للتصدير سوى عبر مضيق هرمز في الخليج العربي،
هذا الممر الذي تمر عبره يومياً أكثر من 21 مليون برميل نفط، أي ما يعادل 20% من تجارة النفط العالمية، يتحول في لحظة التوتر أو الحرب إلى ساحة تهدد ليس فقط الاقتصاد العالمي، بل وجود العراق المالي والخدمي.
أثبتت التجارب السابقة أن أي اضطراب في الخليج يرفع أسعار النفط بمعدل 10–15 دولاراً للبرميل خلال أيام قليلة. ورغم أن ذلك قد يبدو فرصة لزيادة الإيرادات، إلا أن العراق يظل رهينة لمعادلة معقدة في ظل ارتفاع الأسعار يقابله خطر توقف الصادرات كلياً إذا أُغلق المضيق، وهو ما يعني انهيار الإيرادات التي تشكل أكثر من 90% من موارد الموازنة العامة.
الأخطر أن العراق يعتمد على الغاز الإيراني لتشغيل أكثر من 40% من محطات الكهرباء الوطنية، ما يجعل أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران تهديداً مزدوجاً ، عجز مالي بسبب توقف الصادرات، وأزمة كهرباء خانقة بسبب توقف الإمدادات.
هذه الهشاشة البنيوية تكشف أن العراق ليس مجرد متأثر جانبي بالأزمات الإقليمية، بل هو الحلقة الأضعف في معادلة أمن الطاقة العالمي.
فبينما قد تستوعب الأسواق العالمية ارتفاع الأسعار عبر تنويع سلاسل الإمدادات، يبقى العراق بلا بدائل، لا أنابيب تصدير خارج الخليج، ولا قدرة على تعويض الغاز المستورد، ولا منظومة كهرباء مستقلة عن الخارج. وهكذا يتحول أي توتر في مضيق هرمز إلى تهديد مباشر لبقاء الدولة مالياً وخدمياً.
ان توجيه ضربة أميركية لإيران قد تشعل أزمة طاقة عالمية، لكن في العراق تتحول إلى أزمة وجودية، توقف صادرات النفط، انهيار الإيرادات، وانقطاع الكهرباء.
ان من يعبث بمضيق هرمز يعبث بمصير العراق قبل أن يعبث بمصير الاقتصاد العالمي.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام