
د. فرات الموسوي.
رئيس مركز العراق للطاقة
مع نهاية عام 2025، سجّل سوق النفط أكبر خسارة سنوية منذ جائحة 2020. خام برنت تراجع بنسبة 18% ليصل إلى 61.54 دولاراً، فيما انخفض الخام الأميركي بنحو 15%. هذه الخسارة التاريخية تضع العراق، الذي يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، أمام تحديات مالية غير مسبوقة.
التقديرات تشير إلى فائض في المعروض العالمي يتجاوز الطلب بفارق (2 - 4) مليون برميل يومياً، ما يضعف قدرة العراق التفاوضية داخل أوبك+ ويزيد احتمالية فرض تخفيضات إنتاجية جديدة. ورغم أن التوترات الجيوسياسية والعقوبات على دول منتجة رفعت الأسعار مؤقتاً، إلا أن المخاوف الاقتصادية العالمية كانت أقوى، لتكشف هشاشة الاعتماد الأحادي على النفط.
في ظل هذه المعطيات، يصبح الإصلاح الاقتصادي ضرورة لا خياراً. العراق بحاجة إلى استثمار جاد في الغاز الطبيعي (المصاحب والحر) لتقليل الهدر وتوفير مصدر طاقة محلي وصادرات إضافية. كما أن تطوير المصافي وزيادة إنتاج المشتقات النفطية يمكن أن يرفد الموازنة بإيرادات مالية كبيرة ويقلل الاستيراد. إلى جانب ذلك، فإن التوسع في الطاقات المتجددة يمثل خطوة استراتيجية لتخفيف الضغط على الشبكة الوطنية للكهرباء وبناء اقتصاد أكثر استدامة.
لكن الإصلاح الاقتصادي لن ينجح دون إصلاح سياسي. يجب أن تكون الحكومة القادمة حكومة كفاءات لا حكومة ولاءات، وأن تُبعد وزارة النفط عن المحاصصة الحزبية، وتُسند القيادة فيها إلى التكنوقراط والخبراء. هذا هو الإصلاح الحقيقي، وهو الضمانة الوحيدة للحفاظ على أمن الطاقة وإدارة الثروة الوطنية بما يخدم الشعب لا الأحزاب.
النفط قد يخسر قيمته السوقية، لكن العراق يستطيع أن يكسب مستقبله إذا استثمر اللحظة بجرأة ورؤية إصلاحية، تجمع بين الاستثمار في الغاز والمصافي والطاقة المتجددة، وبين بناء حكومة كفاءات قادرة على حماية أمن الطاقة وصناعة مستقبل أكثر استقراراً.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام