
لطالما وجّهت العقوبات على إيران ضربات كبيرة لقطاع النفط الإيراني. ومن أبرز هذه التداعيات تعقيد عملية بيع النفط ولجوء إيران إلى اعتماد آليات للالتفاف على العقوبات. هذه الأساليب، وبحكم طبيعتها، تؤدي عادة إلى رفع مستوى المخاطر المرتبطة بالصادرات، ما ينعكس بزيادة التكاليف. وبسبب خضوع إيران للعقوبات وعدم قدرتها على تحصيل عائداتها من العملات الأجنبية عبر القنوات المعتادة، تم اعتماد مسارات بديلة للالتفاف على التدفقات الرئيسية، الأمر الذي أفرز بدوره مشكلات متعددة.
وتُعد "التراستات النفطية" منظمات أو أفراداً يضطلعون بدور في تحصيل عائدات النفط لصالح إيران، وقد تسببت حتى الآن في مشكلات عديدة. من أبرز هذه المشكلات عدم عودة عائدات النفط إلى داخل البلاد، حيث جرى تحميل هذه التراستات مسؤولية ذلك.
ووفقاً لما أوردته وكالة «إيلنا»، أعلن حسين علي حاجي دليغاني، نائب رئيس لجنة المادة 90 في البرلمان الإيراني، عن دخول البرلمان على خط ملف التراستات وشركات الصرافة الأمينة التابعة لوزارة النفط، التي قامت ببيع النفط بتكليف من الوزارة لكنها لم تُعد عائداته الدولارية إلى إيران. وقال إن «مسألة عدم عودة الدولار النفطي في الظروف الراهنة للبلاد شديدة الحساسية، والبرلمان يتابع هذا الملف بجدية وحزم».
وأكد أن «حجم العملات الأجنبية الناتجة عن بيع النفط التي لم تُعاد إلى البلاد حتى الآن من قبل هذه التراستات يبلغ 6.7 مليارات دولار، وأن البرلمان ولجنة المادة 90، انطلاقاً من موقعهما الرقابي، سيتابعان القضية إلى حين كشف جميع جوانبها الخفية».
وفي وقت سابق، أفادت وكالة «فارس» في شهر ديسمبر بأن «متوسط فترة بقاء عائدات صادرات النفط الإيراني لدى التراستات» يتجاوز شهرين، بل إن بعض التقارير تشير إلى أن بعض هذه التراستات لم تُعد الأموال حتى بعد مرور عام كامل. وكانت هذه التأخيرات الطويلة قد طُرحت سابقاً كعامل رئيسي في نقص العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد مدخلات الثروة الحيوانية. وتقول مصادر غير رسمية إن صادرات النفط الإيراني هذا العام ستصل إلى نحو 30 مليار دولار. وبناءً على ذلك، فإن مجرد تجميد هذه الأموال يدر على التراستات ما لا يقل عن 150 مليون دولار.
كما ذكرت «إيلنا» في تقرير لها في شهر يناير أن محمد باقري، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، حذّر من الأداء المريب لبعض التراستات وشركات الصرافة الأمينة التابعة للبنك المركزي ووزارة النفط، على خلفية امتناعها عن تسليم الدولارات المتأتية من بيع النفط وتراكم عائداته. وقال إن «هذه التراستات أُنشئت في ظروف العقوبات لتجاوز القيود المفروضة، لكننا اليوم نواجه مشكلة عدم عودة الأموال النفطية من قبلها، ما يستدعي تدخل الحوكمة وجميع الأجهزة الرقابية، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي، والسلطة القضائية، وهيئة التفتيش، ومحكمة التدقيق العليا، للمساعدة في تسوية عائدات بيع النفط في أسرع وقت ممكن».
وشدد عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني على أن «ظاهرة بابك زنجاني هي نتاج هذه التراستات في ظل ظروف العقوبات، ولن نسمح بتكرار إنتاج نماذج جديدة من بابك زنجاني. يجب أن تعمل هذه التراستات تحت إشراف مباشر وتُسلم أموال النفط إلى البلاد، غير أن الدخول في مواجهة حادة مع هذه الشركات قد يضع البلاد أمام مشكلات إضافية».
وتأتي التأخيرات الطويلة في إعادة العملات الأجنبية الناتجة عن النفط في وقت تعاني فيه إيران من نقص في الموارد اللازمة لتأمين السلع الأساسية، وسط تقارير تفيد بعدم التزام هذه التراستات بتعهداتها.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر القضية على مخالفات ارتكبتها بضع شركات أو أفراد بعينهم، بل تعكس خللاً بنيوياً في منظومة الرقابة والحوكمة المرتبطة بصادرات النفط.
في الواقع إن إمكانية وضع قواعد واضحة، وعقود شفافة، وأدوات رقابية فعالة، تظل قائمة حتى في أشد ظروف العقوبات، إلا إذا كان هناك عجز عن فرض المحاسبة. إن استمرار هذا الوضع بذريعة ضرورة الالتفاف على العقوبات لا يسهم في حل المشكلات القائمة، بل يمهد لتكرار تجارب مكلفة شهدتها البلاد في السابق.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام