
زار السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وأكد في حديثه أهمية استقلالية عمل الديوان، والابتعاد عن المحاصصة السياسية، وتعزيز جهود مكافحة الفساد حفاظاً على المال العام. كما تطرق إلى الحد من المغالاة في تقييم العقود الحكومية وتحديد معدلات الأرباح بما يكفل حقوق جميع الأطراف المتعاقدة، سواء كانت جهات حكومية أم مقاولين أم مستثمرين، على أن تبقى الأرباح ضمن الحدود المعقولة، وأن يُنظر إلى كل عقد وفق ظروفه الخاصة؛ فقد تكون 10% أو 12%، لا أن تصل إلى 400% أو 500%، بحسب تعبيره.
وفي هذا السياق، أود تسجيل الملاحظات الآتية:
1- ينبغي أن يقتصر اختصاص ديوان الرقابة المالية على الرقابة على الشؤون المالية والسياقات الإدارية، بما يضمن سلامة الأداء الحكومي ومشروعيته، دون التوسع في اختصاصات لا تدخل ضمن ولايته القانونية.
2- إن التدخل في الجوانب الفنية والاقتصادية التي تدخل ضمن اختصاص الجهات القطاعية المختصة، ولا سيما في مسائل التقييم والمفاضلة، يُعد خروجاً عن طبيعة عمل الديوان، ويؤدي إلى إرباك عمل الجهات الرقابية والتشريعية، ويُثقل كاهل المؤسسة القضائية بقضايا تقوم على اختلاف التقدير والاجتهاد، لا على مخالفة صريحة لنصوص القانون.
3- لا توجد نسبة ربح موحدة تصلح لجميع العقود الحكومية. فهامش الربح تحدده طبيعة العقد، ودرجة المخاطرة، وبيئة العمل، والنظام الضريبي، والشروط التعاقدية، ومستوى المنافسة، وهي عوامل تختلف من دولة إلى أخرى. لذلك تتراوح معدلات صافي الأرباح، في اقتصادات السوق المستقرة، بين 5% و30%، تبعاً لطبيعة العقد، سواء كان عقد خدمات، أو استشارات، أو توريد وتجهيز، أو إنشاءات، وغيرها.
4- وإلى جانب هامش الربح، يضيف المقاول أو المستثمر عادةً علاوة مخاطر تتراوح بين 5% و10% من الكلفة الأساسية للعقد، بحسب بيئة العمل. وتمثل هذه العلاوة مقابلاً للمخاطر التشغيلية والإدارية والتمويلية والتنظيمية؛ وكلما كانت بيئة الأعمال أكثر استقراراً وشفافية، انخفضت هذه النسبة، وقد تكاد تنعدم، والعكس صحيح.
5- أما في الحالة العراقية، فإن المقاول أو المستثمر يضطر غالباً إلى رفع الكلفة الاستثمارية والتشغيلية، فضلاً عن هامش الربح، لأسباب لا ترتبط بالاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل بارتفاع كلفة ممارسة الأعمال. وفي مقدمة هذه الأسباب الالتزامات المالية تجاه منظومة المحاصصة السياسية والاقتصادية التي تفرض أثماناً إضافية على مسار إبرام العقود في مختلف مفاصل الأجهزة الحكومية وصولاً إلى مرحلة تنفيذها، فضلاً عن كلف التأخير البيروقراطي، وعدم اليقين، وأحياناً الابتزاز.
إن هذه الزيادات ليست انعكاساً لطبيعة السوق، بل نتيجة مباشرة لبيئة مؤسساتية مشوهة، أصبح فيها الفساد ظاهرة بنيوية تُدار في كثير من الأحيان بغطاء سياسي توافقي. ومن ثم، فإن معالجة تضخم كلف العقود لا تتحقق عبر وضع سقوف إدارية لهوامش الأرباح، وإنما من خلال إصلاح اقتصادي ومؤسساتي شامل، يستند إلى إرادة سياسية وسيادية قادرة على تفكيك مسببات الفساد، لا الاكتفاء بمعالجة نتائجه.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام