
تشهد الأنهار العراقية، وفي مقدمتها نهرا دجلة والفرات، واحدة من أخطر الأزمات البيئية في تاريخها الحديث، وسط تحذيرات رسمية وبيئية متصاعدة من تداعيات التلوث المتفاقم الذي بات يهدد الأمن الصحي والغذائي والمائي لملايين المواطنين.
وأعاد مجلس النواب فتح هذا الملف من خلال استضافة لجنة الأمر النيابي رقم (63) لسنة 2026، برئاسة يوسف الكلابي، لوزيري البيئة والموارد المائية، إلى جانب ممثلين عن أمانة بغداد ودائرة المجاري، لبحث أسباب التلوث المتزايد في نهر دجلة وآليات الحد من رمي المخلفات ومياه الصرف في الأنهار.
وأكد الكلابي خلال الاجتماع أن الحفاظ على صحة المواطنين يمثل أولوية وطنية، مشدداً على ضرورة تحديد مصادر التلوث ووضع معالجات عملية وسريعة لإنهاء الأزمة، مع استعداد مجلس النواب لتوفير الغطاء التشريعي والدعم اللازم لتنفيذ الحلول المستدامة.
وخلال الاجتماع، جرى استعراض الواقع البيئي لنهر دجلة، حيث شددت الجهات المختصة على أهمية إنشاء محطات معالجة متطورة لمياه الصرف الصحي والصناعي، وتحمل جميع المؤسسات المعنية مسؤولياتها في الحد من مصادر التلوث التي باتت تشكل تهديداً مباشراً للموارد المائية.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الموارد المائية أن التلوث يعد من أبرز أسباب نفوق الأسماك وتدهور النظام البيئي النهري، مؤكداً ضرورة الإسراع في إزالة المخلفات ومعالجة مصادرها. فيما أكدت وزيرة البيئة الدكتورة سروة عبد الواحد أهمية تفعيل الإجراءات القانونية بحق الجهات المتسببة بالتلوث، وتسريع تنفيذ مشاريع معالجة مياه الصرف قبل طرحها في الأنهار.
وتتزامن هذه التحركات مع مؤشرات مقلقة كشف عنها مجلس محافظة بغداد، إذ أكد نائب رئيس هيئة خدمات بغداد علي خليل العامري أن نسبة التلوث في مياه نهر دجلة داخل العاصمة تتراوح بين 80 و90 بالمئة، ما يجعلها غير صالحة للاستخدام البشري ويهدد حياة نحو عشرة ملايين مواطن يعتمدون على مياه النهر بشكل مباشر أو غير مباشر.
وأشار العامري إلى أن آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي تُطرح يومياً في مجرى النهر عبر منافذ تفتقر إلى محطات المعالجة، فضلاً عن استمرار رمي بعض المخلفات الطبية والصحية، الأمر الذي ساهم في تفاقم مستويات التلوث ووصولها إلى مراحل خطيرة.
ولا تقتصر الأزمة على نهر دجلة فحسب، إذ حذر مرصد "العراق الأخضر" البيئي من تدهور غير مسبوق يشهده نهر الفرات نتيجة انخفاض مناسيب المياه وتزايد نسب الملوثات.
وأوضح المرصد أن النهر سجل خلال السنوات الأخيرة أدنى مستوياته المائية، ما أدى إلى ارتفاع تركيز الملوثات وانتشار الطحالب وزهرة النيل وتراجع مستويات الأوكسجين المذاب، الأمر الذي انعكس سلباً على الثروة السمكية والتنوع الحيوي.
كما أشار التقرير إلى استمرار تدفق مياه الصرف الزراعي المحملة بالأسمدة والأملاح والمواد الكيميائية إلى مجرى الفرات، بالتزامن مع محدودية الإطلاقات المائية القادمة من دول الجوار، ما فاقم آثار الجفاف والتصحر في مناطق واسعة من وسط وجنوب العراق.
وحذر المرصد من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى خسائر بيئية واقتصادية واسعة، تشمل تراجع الإنتاج الزراعي، ونفوق الحيوانات، وانهيار أجزاء من النظام البيئي المرتبط بالأهوار والأنهار، فضلاً عن زيادة معدلات الهجرة من المناطق الريفية المتضررة.
في المقابل، أعلنت وزارة البيئة عن خطة حكومية شاملة لمعالجة التحديات البيئية المتراكمة، تركز على إنهاء مصادر تلوث المياه وإزالة التجاوزات والمكبات التي تؤثر في الأنهار والمجاري المائية، إضافة إلى تشديد الرقابة البيئية وتفعيل العقوبات القانونية بحق الجهات المخالفة للمعايير البيئية.
وأكدت الوزارة أن السنوات المقبلة ستشهد العمل على مشاريع لمعالجة مياه الصرف الصحي والحد من التلوث الصناعي وتحسين منظومات الرقابة البيئية، بالتوازي مع تحديث التشريعات ذات الصلة وتعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية والقضائية.
من جانبه، أوضح المستشار الفني لوزارة البيئة عمار جابر العطا أن أزمة التلوث الحالية هي نتيجة تراكمات تمتد لعقود طويلة، مشيراً إلى أن البنية التحتية لشبكات المجاري في بغداد صممت لخدمة عدد سكان أقل بكثير من الواقع الحالي، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغوط على الشبكات وتصريف كميات كبيرة من المياه الملوثة إلى نهر دجلة.
وأضاف أن العراق يطرح يومياً ملايين الأمتار المكعبة من مياه المجاري إلى الأنهار، ما يستدعي الإسراع في إنشاء محطات المعالجة الحديثة ومعالجة الاختناقات البنيوية في قطاع الصرف الصحي، لافتاً إلى وجود مشاريع مشتركة بين وزارة البيئة وأمانة بغداد لإنشاء محطات معالجة عند منافذ التصريف الرئيسية.
وتكشف مجمل المؤشرات أن أزمة تلوث الأنهار في العراق لم تعد مجرد مشكلة بيئية، بل تحولت إلى تحدٍ وطني يرتبط بصحة المواطنين والأمن المائي والغذائي والاستقرار الاقتصادي. وبينما تتزايد التحذيرات من خطورة استمرار الوضع الراهن، تبقى سرعة تنفيذ مشاريع المعالجة وتطبيق القانون ومحاسبة الجهات المتسببة بالتلوث عوامل حاسمة في إنقاذ نهري دجلة والفرات من مزيد من التدهور.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام