
تشهد المنافذ الحدودية العراقية مرحلة جديدة من الإصلاح الإداري والأمني، بعد حزمة التوجيهات التي أصدرها رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، والتي استهدفت معالجة التحديات المتراكمة في هذا الملف السيادي، وتعزيز كفاءة الرقابة والإشراف، ورفع مستوى الأداء المؤسسي في المنافذ الحدودية والكمارك.
وتضمنت التوجيهات خمس خطوات أساسية، أبرزها تدوير جميع العاملين في المنافذ الحدودية خلال مدة لا تتجاوز 48 ساعة، وإعادة الضباط والمنتسبين والموظفين المنسبين إلى دوائرهم الأصلية، فضلاً عن تشديد الإجراءات الأمنية والاستخبارية داخل المنافذ، وإلزام الجهات المختصة بإجراء الكشف والتدقيق الكامل لجميع البضائع الداخلة إلى البلاد.
ويرى مراقبون أن التدوير الوظيفي يمثل أحد أهم أدوات الإصلاح الإداري، لما يحققه من تقليل فرص الفساد والمجاملات والعلاقات غير الرسمية التي قد تتشكل نتيجة بقاء الموظفين لفترات طويلة في المواقع نفسها، فضلاً عن إتاحة الفرصة لتجديد الخبرات ورفع كفاءة الأداء.
وفي السياق ذاته، أكدت هيئة المنافذ الحدودية أن التوجيهات الحكومية جاءت نتيجة متابعة مباشرة من رئيس الوزراء لهذا الملف الحيوي، وضمن رؤية إصلاحية تهدف إلى تعزيز الدور الرقابي والإشرافي ومكافحة التهريب ومنع دخول المواد الممنوعة والمخالفة للقانون.
ومن أبرز القرارات التنظيمية إعادة أجهزة السونار إلى الهيئة العامة للكمارك، باعتبارها الجهة الفنية المختصة بإجراءات الكشف والتدقيق الكمركي، وهو ما يسهم في تنظيم الاختصاصات وتعزيز مبدأ الرقابة المتبادلة بين المؤسسات المعنية، مع استمرار هيئة المنافذ الحدودية بأداء دورها الرقابي والإشرافي لضمان سلامة الإجراءات ومنع أي حالات تلاعب أو تجاوز.
كما تضمنت الإجراءات تعزيز دور الأجهزة الأمنية والاستخبارية العاملة داخل المنافذ الحدودية، ومنح مدير المنفذ الحدودي صلاحية أكبر في إدارة الملف الاستخباري وتوحيد القرار الأمني، الأمر الذي يسهم في رفع مستوى التنسيق بين الجهات العاملة ومنع التداخل في الصلاحيات.
وفي خطوة تحفيزية غير مسبوقة، وجّه رئيس الوزراء بتخصيص 20% من قيمة المواد المضبوطة للعاملين في المنافذ الحدودية، بهدف تشجيع الجهد الميداني وتحفيز الموظفين على كشف المخالفات ومكافحة التهريب وحماية المال العام، بما يعزز ثقافة الإنجاز والمسؤولية داخل المؤسسات المعنية.
كما وافق رئيس الوزراء على إعادة تنظيم انتشار مفارز هيئة المنافذ الحدودية، من خلال انسحابها من عدد من السيطرات وتسليم الملف إلى جهاز الأمن الوطني، بما يتيح توجيه الموارد البشرية نحو المنافذ السيادية، خصوصاً مع افتتاح منافذ جديدة مثل منفذي الوليد وربيعة ومطار الموصل الدولي.
وتعزز هذه الإجراءات بقرار إعفاء مستشار رئيس الوزراء لشؤون المنافذ الحدودية والجمارك السابق وتكليف مستشار جديد بالملف، في إطار إعادة هيكلة الإدارة والإشراف المباشر على تنفيذ البرنامج الإصلاحي الحكومي.
وفي أولى نتائج هذه التوجيهات، أعلنت الهيئة العامة للكمارك إنجاز عملية نقل وإعفاء وتدوير مديري المراكز الكمركية والمناوبين لهم، التزاماً بالقرارات الحكومية، ما يعكس جدية المؤسسات المعنية في تنفيذ الإصلاحات ضمن السقوف الزمنية المحددة.
وتؤشر هذه الخطوات إلى توجه حكومي واضح نحو بناء منظومة حدودية أكثر كفاءة وشفافية، قادرة على حماية الاقتصاد الوطني، ومكافحة التهريب، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وترسيخ هيبة الدولة وسلطة القانون في جميع المنافذ الحدودية، بما ينسجم مع متطلبات الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية
يرى الخبير الاقتصادي محمود داغر أن ما يجري يرتبط باتجاهين رئيسيين.
ويقول داغر لـ"الاقتصاد نيوز" إن "الاتجاه الأول يتمثل في محاولة إحكام السيطرة على الحدود وإنهاء الثغرات المستمرة منذ سنوات، بما يساعد على تعزيز الأمن الداخلي وتحسين العلاقات مع دول الجوار التي اشتكت مراراً من وجود ثغرات في الجدارين الحدودي والجمركي".
ويضيف أن "الاتجاه الثاني يتعلق بتحسين أداء الجمارك وتعظيم الإيرادات"، موضحاً أن "العراق حقق تطورات مهمة عبر نظام (أسيكودا)، لكن ما تزال هناك ثغرات تسمح بمرور بعض البضائع من دون أن تخضع بالكامل للإجراءات الجمركية، الأمر الذي يؤدي إلى خسارة إيرادات مالية ويؤثر في حماية الاقتصاد الوطني".
وبحسب داغر، فإن "إعادة نشر عناصر الأمن الوطني وشرطة الحدود داخل المنافذ تعكس تحول أمن المنافذ وأمن الجمارك إلى أولوية قصوى لدى الدولة، في ظل اعتماد العراق على الاستيراد بشكل واسع وامتلاكه شبكة علاقات تجارية كبيرة مع العالم".
ويؤكد أن "بغداد تسعى إلى منع دخول بضائع غير خاضعة للتعليمات العراقية أو لا تمر عبر الإجراءات الجمركية الرسمية، وهو ما يفسر جانباً مهماً من القرارات الأخيرة".
من جانبه، أكد الخبير في الشأن الاقتصادي ضياء المحسن أن الإجراءات التي أعلنها رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن المنافذ الحدودية تمثل أقوى حزمة إصلاحات إدارية وأمنية يشهدها هذا الملف منذ سنوات، مشيراً إلى أنها قد تسهم في تقليل عمليات التهريب وزيادة الإيرادات الجمركية، لكنها لن تكون كافية للقضاء على الظاهرة بشكل كامل ما لم تُستكمل بإصلاحات هيكلية أوسع.
وأوضح المحسن أن الإجراءات المعلنة تضمنت تدوير جميع العاملين في المنافذ خلال فترة قصيرة، وإعادة توزيع الضباط والمنتسبين، وتشديد الرقابة الأمنية والاستخبارية لإغلاق الثغرات والمسالك غير الرسمية، فضلاً عن إعادة تنظيم صلاحيات أجهزة السونار والكمارك، ومنح حوافز مالية للعاملين الذين يضبطون المخالفات والمواد المهربة.
وأضاف أن هذه الخطوات تعالج ثلاثة من أبرز أسباب التهريب، وهي تراكم المصالح والعلاقات داخل المنافذ، وتضارب الصلاحيات بين الجهات المختلفة، وضعف المتابعة الاستخبارية والرقابية.
وبيّن أن مشكلة التهريب في العراق لا تقتصر على الجوانب الإدارية، بل ترتبط أيضاً بوجود شبكات تمتلك نفوذاً سياسياً أو حزبياً وعشائرياً واقتصادياً، ولها امتدادات داخل المنافذ وخارجها.
وأشار المحسن إلى أن الحكومة قادرة على تحقيق انخفاض ملموس في معدلات التهريب ورفع كلفة الفساد على المتورطين، إلى جانب تعزيز هيبة الدولة في المنافذ الحدودية، إلا أن الوصول إلى مستويات متدنية جداً من التهريب يتطلب ملاحقة كبار المستفيدين من هذه العمليات، وليس المنفذين فقط.
وشدد على أهمية استكمال الإصلاحات عبر الأتمتة الإلكترونية الكاملة للكمارك والتخليص الجمركي، وربط المنافذ بالمصارف والضرائب إلكترونياً، ومنع التدخلات السياسية في التعيينات والإحالات، فضلاً عن تفعيل القضاء الاقتصادي بصورة سريعة وحاسمة.
ولفت إلى أن نجاح الزيدي في هذا الملف سيكون مؤشراً مهماً على قوة حكومته، موضحاً أن ارتفاع الإيرادات الجمركية خلال الأشهر المقبلة وانخفاض حجم البضائع غير المصرح بها سيعدان دليلاً عملياً على نجاح الإصلاحات، فيما سيشير ثبات الإيرادات رغم الحملة الحالية إلى قدرة شبكات التهريب على التكيف مع الإجراءات الجديدة.
وختم المحسن بالقول إن التحدي الحقيقي لا يكمن في جودة الإجراءات المتخذة، بل في مدى امتلاك الحكومة للغطاء السياسي اللازم للاستمرار في تنفيذها عند اصطدامها بمصالح القوى المستفيدة من المنافذ الحدودية.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام