بين تعظيم الإيراد وتعظيم الثروة: مقاربة اقتصادية لبيع الأصول العامة

الاقتصاد نيوز - بغداد

مع اعلان الحكومة العراقية عن توجهها إلى بيع بعض أصول الدولة او خصخصة الشركات العامة بوصفها أحد الخيارات المتاحة لمعالجة الاختناقات المالية وتقليص العبء الواقع على الموازنة العامة، يكتسب هذا التوجه زخماً أكبر كلما تعرضت المالية العامة لضغوط ناجمة عن تقلبات أسعار النفط وحجم ايراداته أو اتساع العجز المالي أو تصاعد الالتزامات التشغيلية للدولة. غير أن الجدل حول هذا الموضوع غالباً ما ينقسم بين اتجاهين متعارضين؛ أحدهما يرى في بيع الأصول مدخلاً للإصلاح الاقتصادي وتحسين الكفاءة، والآخر يعدّه تفريطاً بالثروة الوطنية وتهديداً لمقدرات الأجيال القادمة. وبين هذين الموقفين تبرز الحاجة إلى مقاربة علمية تركز على المتطلبات الاقتصادية والمؤسسية لعملية البيع، وعلى التداعيات المحتملة لها في السياق العراقي.

إن أصول الدولة ليست مجرد ممتلكات مادية، بل هي تراكمات استثمارية وموارد اقتصادية تكونت عبر عقود طويلة من الإنفاق العام. وتشمل هذه الأصول الشركات الصناعية والخدمية، والأراضي والعقارات، والبنى التحتية، والمرافق العامة، فضلاً عن الأصول ذات الطبيعة الاستراتيجية. لذلك فإن أي قرار يتعلق ببيعها يجب أن ينظر إليه بوصفه قراراً اقتصادياً وتنموياً طويل الأمد، لا مجرد إجراء مالي مؤقت لمعالجة أزمة آنية.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن الخصخصة يمكن أن تكون أداة فعالة لتحسين الأداء الاقتصادي عندما تُنفذ ضمن رؤية إصلاحية شاملة. ففي العديد من الدول الصناعية أدى انتقال بعض الأنشطة الاقتصادية إلى القطاع الخاص إلى رفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وزيادة معدلات الاستثمار. ويعود ذلك إلى أن القطاع الخاص غالباً ما يعمل وفق حوافز الربحية والمنافسة، الأمر الذي يدفعه إلى ترشيد التكاليف وتطوير الأداء بصورة مستمرة.

ومع ما يتصف به الاقتصاد العراقي من خصوصية هيكلية تجعله مختلفاً عن كثير من الاقتصادات الأخرى. فالدولة لا تمثل مجرد منظم للنشاط الاقتصادي، بل تعد الفاعل الاقتصادي الأكبر من خلال سيطرتها على جانب واسع من الموارد والثروات والأصول العامة. كما أن الإيرادات النفطية تمثل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة، في حين ما يزال القطاع الخاص يعاني محدودية القدرة على قيادة النشاط الاقتصادي بالدرجة الكافية. ولذلك فإن أي عملية بيع للأصول العامة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن طبيعة الاقتصاد الريعي الذي يشكل الإطار العام للاقتصاد العراقي. إلا أن نجاح هذه العملية مشروط بتوافر مجموعة من المتطلبات الأساسية.

أول هذه الشروط وجود هدف اقتصادي واضح يتجاوز مجرد تأمين الإيرادات المالية. فالخصخصة التي تستهدف زيادة الكفاءة الاقتصادية تختلف جذرياً عن الخصخصة التي تهدف فقط إلى سد العجز المالي أو تمويل النفقات التشغيلية. وفي الحالة الثانية تتحول الأصول العامة إلى مصدر مؤقت للسيولة، بينما تبقى المشكلات الهيكلية التي أنتجت الأزمة المالية قائمة دون معالجة.

ثانيها وجود قاعدة بيانات دقيقة وشاملة للأصول العامة تتضمن اقيامها الاقتصادية الحقيقية ومراكزها المالية وإمكاناتها الإنتاجية. فإحدى المشكلات الرئيسة التي تواجه الاقتصادات النامية تتمثل في غياب التقييم الدقيق للأصول، الأمر الذي قد يؤدي إلى بيعها بأقل من قيمتها الفعلية وتحويل جزء من الثروة العامة إلى مكاسب خاصة.

أما الشرط الثالث فيتمثل في وجود مؤسسات رقابية وقضائية وإدارية قادرة على إدارة عملية البيع بشفافية وكفاءة. فالخبرة الاقتصادية العالمية تشير إلى أن الخصخصة تحقق أفضل نتائجها في البيئات التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الحوكمة والمساءلة. وفي المقابل، فإن ضعف المؤسسات يزيد من احتمالات الفساد وسوء التخصيص وتركز الثروة في أيدي مجموعات محدودة، وهو ما يحول الخصخصة من أداة إصلاح اقتصادي إلى أداة لإعادة توزيع الثروة العامة.

ويتعلق الشرط الرابع بوجود قطاع خاص قادر فعلاً على الاستثمار والإدارة والتطوير. فالخصخصة لا تحقق أهدافها إذا انتقلت الأصول من إدارة حكومية ضعيفة إلى إدارة خاصة غير قادرة على الاستثمار أو التوسع أو الابتكار. ولذلك فإن نجاح بيع الأصول يرتبط بمدى نضج البيئة الاستثمارية وتوافر التمويل والخبرات والقدرات الإدارية لدى القطاع الخاص.

لذا لابد من النظر لموضوع بيع الأصول العامة او الخصخصة من خلال الآثار الاقتصادية الكلية المتوقعة ، اذ تمثل أصول الدولة أحد مكونات الميزانية العمومية للقطاع العام، وعليه فإن بيعها لا يعد زيادة في الثروة الوطنية بقدر ما يمثل إعادة تشكيل لتركيبتها بين أصول حقيقية وأصول مالية. لذلك فإن الأثر الاقتصادي للقرار يتوقف على كيفية توظيف حصيلة البيع ومدى قدرتها على تعويض التدفقات الاقتصادية المستقبلية التي كان الأصل قادراً على تحقيقها.

وفي هذا الاطار ينبغي التمييز بين بيع الأصول لمعالجة عجز مالي مؤقت وبين بيعها ضمن استراتيجية تنموية طويلة الأجل. فالأصول العامة تمثل جزءاً من الثروة الوطنية المتراكمة، بينما تمثل حصيلة البيع إيراداً استثنائياً لمرة واحدة. وعندما تُستخدم هذه الحصيلة في تمويل الرواتب أو النفقات التشغيلية الجارية، فإن الدولة تكون قد استبدلت أصلاً دائماً بإيراد مؤقت سرعان ما ينفد. وبهذا المعنى فإن بيع الأصول لا يعالج جذور الأزمة المالية، بل يؤجل ظهورها لفترة محدودة. يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في العراق، حيث تشكل الرواتب والأجور والتحويلات الاجتماعية الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي. فإذا استُخدمت حصيلة بيع الأصول لتغطية هذه النفقات، فإن الأزمة المالية ستعود للظهور بمجرد استنفاد الإيرادات المتحققة من البيع، في ظل امتلاك الدولة لأصول أقل وقدرة أضعف على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وفي المقابل، يمكن أن تتحقق آثار إيجابية إذا جرى توظيف عائدات البيع في إنشاء مشاريع إنتاجية أو تطوير البنية التحتية أو تأسيس صندوق سيادي استثماري يحقق عوائد مستدامة للأجيال القادمة. ففي هذه الحالة يتحول بيع الأصول من عملية استهلاك للثروة إلى عملية إعادة هيكلة لرأس المال الوطني بما يرفع من كفاءته الاقتصادية.

ويمكن ان ينظر لموضوع الخصخصة بشكل دقيق من زاوية تحليل اثارها على  الاقتصاد الجزئي، فقد يؤدي انتقال بعض الشركات العامة إلى القطاع الخاص إلى تحسين مستويات الإنتاجية وخفض التكاليف التشغيلية وزيادة القدرة التنافسية. إلا أن هذه النتيجة تبقى مشروطة بوجود المنافسة. أما إذا كانت الأصول المباعة تعمل في قطاعات احتكارية أو شبه احتكارية، فإن الخصخصة قد تنقل الاحتكار من الدولة إلى القطاع الخاص، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع رفاهية المستهلكين دون تحقيق مكاسب اقتصادية حقيقية.

لذلك فإن الحل الحقيقي الذي يمكن ان نقترحه في هذا المجال لا يكمن في اتخاذ قرار البيع من عدمه، بل في بناء البيئة المؤسسية القادرة على ضمان نجاح العملية. فالدولة التي تعجز عن إدارة أصولها بكفاءة قد تعجز أيضاً عن بيعها بكفاءة إذا لم تتوافر مؤسسات قوية وآليات رقابية فعالة وإجراءات شفافة.

وعليه، فإن بيع الأصول العامة لا يمكن أن ينظر إليه كحل سريع لأزمة السيولة أو العجز المالي، بل كجزء من مشروع إصلاح اقتصادي أشمل يهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص المنتج. فنجاح هذه السياسة يتوقف على توافر المتطلبات المؤسسية والاقتصادية اللازمة، وعلى قدرة الدولة على توظيف عائداتها في بناء أصول جديدة أكثر إنتاجية واستدامة. أما في غياب هذه المتطلبات، فإن بيع الأصول قد يتحول من أداة للإصلاح إلى وسيلة لاستنزاف الثروة الوطنية دون تحقيق تنمية حقيقية أو معالجة مستدامة للاختلالات المالية والاقتصادية.

وتبقى الإشكالية الأكثر تعقيداً في العراق أن الدعوات إلى بيع الأصول العامة تظهر غالباً في سياق البحث عن حلول سريعة للأزمات المالية وليس في إطار استراتيجية اقتصادية متكاملة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تعكس الخصخصة المقترحة تحولاً نحو اقتصاد أكثر كفاءة، أم أنها محاولة لمعالجة نتائج الاختلالات المالية عبر التصرف بالثروة العامة؟

فالاقتصاد العراقي لا يعاني نقصاً في اصوله بقدر ما يعاني ضعفاً في إدارتها واستثمارها. ومن ثم فإن بيع الأصول في ظل استمرار المشكلات البنيوية ذاتها، كهيمنة الإنفاق التشغيلي وضعف الإيرادات غير النفطية وتراجع الإنتاجية المؤسسية، قد يؤدي إلى استهلاك جزء من رأس المال الوطني من دون معالجة الأسباب التي أدت إلى الأزمة المالية أساساً.

كما أن القيمة الاقتصادية للأصول العراقية لا تقتصر على قيمتها السوقية الحالية، بل تشمل قيمتها التنموية المستقبلية. فالكثير من الأراضي والمصانع والمنشآت العامة قد تبدو اليوم منخفضة العائد أو متوقفة عن الإنتاج، إلا أن قيمتها الحقيقية تتضاعف إذا أُعيد تأهيلها أو أُدمجت ضمن مشاريع استثمارية وتنموية واسعة. ولذلك فإن المفاضلة الاقتصادية لا تكون دائماً بين البيع والاحتفاظ، بل قد تكون بين البيع والشراكة أو إعادة الهيكلة أو الاستثمار طويل الأجل. ومن هذا المنطلق فإن القرار الرشيد لا يتمثل في تعظيم الإيرادات الفورية المتحققة من البيع، وإنما في تعظيم القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تحققها تلك الأصول للاقتصاد الوطني عبر الزمن.

لذا فمن صفوة القول، إن بيع أصول الدولة ليس خياراً اقتصادياً خاطئاً أو صحيحاً على إطلاقه، وإنما تتحدد جدواه بمدى ارتباطه بمشروع إصلاحي شامل يعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي. فالأصول العامة تمثل جزءاً من الثروة الوطنية، والتصرف بها ينبغي أن يخضع لمعيار الكفاءة الاقتصادية وتعظيم المنفعة الاجتماعية طويلة الأجل، لا لمتطلبات التمويل الآني أو الضغوط المالية المؤقتة.

وعليه، فإن نجاح أي برنامج لبيع الأصول يتطلب أن يسبقه إصلاح مؤسسي ومالي شامل، وأن يقترن بسياسات واضحة لتنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمار المنتج. أما في غياب هذه الشروط، فإن بيع الأصول قد يوفر سيولة مؤقتة للخزينة العامة، لكنه لن يحقق الاستدامة المالية المنشودة، بل قد يؤدي إلى تقليص قاعدة الثروة الوطنية التي يفترض أن تشكل ركيزة التنمية للأجيال المقبلة.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 57
أضيف 2026/06/12 - 3:45 PM