
دكتور/ هيثم حميد مطلك المنصور
منذ نشأة الدولة الحديثة، لم يكن الجدل الاقتصادي يدور حول الموارد والثروات فحسب، بل حول سؤال فلسفي أعمق: من يملك الحكمة لإدارة المجتمع؟ هل هي الدولة بوصفها ممثلة للإرادة العامة، أم السوق بوصفه تجسيداً لاختيارات الأفراد وحرياتهم؟ لقد آمنت الفلسفات السياسية الكلاسيكية، منذ أفلاطون وحتى هيغل، بإمكانية وجود سلطة عقلانية قادرة على توجيه المجتمع نحو الخير العام. وفي هذا التصور، كانت الدولة تمثل العقل الجمعي الذي يسمو على المصالح الفردية ويعمل لتحقيق العدالة والتنظيم والاستقرار. وانعكس هذا الفهم في العديد من النماذج الاقتصادية التي منحت الدولة دوراً مركزياً في إدارة النشاط الاقتصادي وتوجيه الموارد.
في المقابل، انطلقت الفلسفة الليبرالية الحديثة، ولاسيما مع آدم سميث، من فرضية مختلفة مفادها أن الأفراد عندما يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة ضمن إطار قانوني سليم، فإنهم يسهمون بصورة غير مباشرة في تحقيق المصلحة العامة عبر ما سماه "اليد الخفية". ومن هنا أصبح السوق ليس مجرد آلية للتبادل، بل فلسفة تقوم على الثقة بحرية الإنسان وقدرته على اتخاذ القرار الاقتصادي الرشيد. غير أن القرن العشرين كشف حدود النموذجين معاً. فقد أثبتت التجارب أن السوق ليس كائناً عاقلاً بذاته، وأنه قد ينتج الاحتكار والتفاوت والأزمات المالية، تماماً كما أثبتت التجارب أن الدولة ليست تجسيداً خالصاً للعقل العام، وأنها قد تقع في البيروقراطية والفساد وإهدار الموارد.
ومن هنا برز التحول الفكري الأهم في الاقتصاد السياسي الحديث، وهو الانتقال من البحث عن "الفاعل الكامل" إلى الاعتراف بـ"قصور تفرد احدهما". ليأتي السؤال: من هو الأقدر على إدارة المجتمع؟ بل كيف نبني مؤسسات تحد من أخطاء الجميع؟
هذا التحول يجد جذوره الفلسفية في أعمال فلاسفة مثل كارل بوبر الذي حذر من أوهام المعرفة المطلقة، وفريدريك هايك الذي رأى أن المعرفة موزعة بين ملايين الأفراد ولا يمكن لأي سلطة مركزية احتكارها. وفي الاتجاه نفسه جاءت نظرية الاختيار العام لتؤكد أن السياسي والبيروقراطي ليسا أقل خضوعاً للمصالح والحوافز من المستثمر أو المستهلك.
ومن هذا المنظور تبلور مفهوما "الفشل السوقي" و"الفشل الحكومي". فالسوق قد يفشل لأنه يقدّس الربح أحياناً على حساب العدالة، والدولة قد تفشل لأنها تقدّس السلطة أحياناً على حساب الكفاءة. وبين الربح والسلطة تتشكل معظم الأزمات الاقتصادية المعاصرة.
تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحاً في الاقتصادات الريعية، ومنها العراق. فالدولة التي تعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات تتحول تدريجياً من دولة منتجة إلى دولة موزعة للريع. ومع مرور الزمن تصبح الوظيفة العامة بديلاً عن النشاط الاقتصادي، وتصبح العلاقة بين المواطن والثروة الوطنية علاقة استحقاق توزيعي أكثر من كونها علاقة إنتاج وتشارك في توليد القيمة. اذ تشير الأرقام إلى أن النفط يشكل نحو 90–95% من إيرادات الدولة العراقية، وأن ملايين المواطنين يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الحكومي. في المقابل ما تزال مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية محدودة، فيما تستمر البطالة بين الشباب عند مستويات مرتفعة. وهذه المؤشرات لا تعكس فشل السوق وحده أو فشل الدولة وحدها، بل تعكس اختلال العلاقة بينهما.
فلسفياً، يمكن القول إن جوهر المشكلة يكمن في انقطاع الصلة بين الثروة والعمل. فعندما تصبح الثروة ناتجة عن الريع لا عن الإنتاج، تتراجع الحوافز الاقتصادية وتتضخم الصراعات السياسية حول توزيع الموارد. وهنا تتحول الدولة إلى ساحة للتنافس على الريع، بينما يفقد السوق قدرته على أداء دوره التنموي.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام العراق لا يتمثل في الاختيار بين الدولة والسوق، بل في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والثروة. ذلك ان الاقتصاد الناضج لا يقوم على هيمنة الدولة ولا على إطلاق السوق دون ضوابط، وإنما على إقامة منظومة مؤسسية تجعل الثروة نتيجة للإبداع والعمل والاستثمار والإنتاج. فأعظم درس يقدمه الفكر الاقتصادي المعاصر هو أن التنمية لا تتحقق عندما تتفرد الدولة بالسوق أو يتفرد السوق بالدولة، بل عندما تنجح المؤسسات في ضبط نزعة الدولة إلى التوسع، ونزعة السوق إلى الاحتكار، وتوجيههما معاً نحو خدمة المجتمع.
مما سبق يتمظهر السؤال الاقتصادي الأهم وهو: ليس من يدير من؟ الدولة أم الاقتصاد؟ بل: كيف نجعل الدولة والسوق معاً في خدمة الإنسان والتنمية والعدالة؟ فحيثما تكون الثروة ثمرة للإنتاج، وحيثما تكون السلطة خاضعة للمساءلة، يلتقي الاقتصاد بالأخلاق، وتلتقي الكفاءة بالعدالة، وتتحول التنمية من مجرد أرقام في الموازنات إلى مشروع حضاري يعيد للإنسان مكانته بوصفه غاية التنمية ووسيلتها في آن واحد.
تقدم لنا التجارب الدولية الحديثة دليلاً واضحاً على أن التنمية الاقتصادية لا تتحقق عبر هيمنة الدولة المطلقة على الاقتصاد، كما لا تتحقق من خلال إطلاق قوى السوق دون ضوابط. لقد خاض العالم تجارب متباينة كشفت حدود كل من النموذجين وأظهرت أن النجاح الاقتصادي يرتبط بقدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين دور الدولة وآليات السوق.
ففي الاتحاد السوفيتي السابق مثل التخطيط المركزي نموذجا للدولة التي سعت إلى إدارة الاقتصاد بصورة كاملة. وقد حقق هذا النموذج نجاحات مهمة في التصنيع السريع وبناء القدرات العسكرية والعلمية، إلا أن غياب المنافسة وضعف الحوافز الاقتصادية وتضخم البيروقراطية أدت تدريجياً إلى تراجع الكفاءة والإنتاجية. ومع مرور الوقت أصبح النظام عاجزاً عن الاستجابة للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، ما كشف حدود قدرة الدولة على إدارة النشاط الاقتصادي بمفردها.
وفي الاتجاه المقابل، جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتكشف حدود الثقة المطلقة بقدرة الأسواق على تصحيح نفسها. فقد أدى التوسع في المضاربات المالية وضعف الرقابة التنظيمية إلى واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث، الأمر الذي أكد أن الأسواق، رغم كفاءتها في تخصيص الموارد وتحفيز الابتكار، ليست بمنأى عن الإخفاقات التي قد تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي المقابل قدمت الصين نموذجاً مختلفاً يقوم على المزج بين التخطيط الاستراتيجي للدولة وآليات السوق. فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي احتفظت الدولة بدورها في رسم التوجهات الكبرى للاقتصاد والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصناعة، لكنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام المبادرة الخاصة والمنافسة والاستثمار. وقد ساهم هذا التوازن في تحقيق واحدة من أسرع عمليات التحول الاقتصادي في التاريخ الحديث.
كما تقدم سنغافورة مثالاً آخر على أن نجاح الدولة لا يقاس بحجم تدخلها بقدر ما يقاس بكفاءة مؤسساتها. فقد لعبت الدولة دوراً محورياً في التخطيط والتنظيم وبناء رأس المال البشري، لكنها في الوقت نفسه وفرت بيئة تنافسية جاذبة للاستثمار والأعمال، ما جعلها واحدة من أكثر الاقتصادات تنافسية في العالم.
وقد تمكنت دول شمال أوروبا من تقديم نموذج يجمع بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية. اذ اعتمدت اقتصاداً قائماً على المنافسة والقطاع الخاص، لكنها في الوقت ذاته توفر مستويات مرتفعة من الحماية الاجتماعية والخدمات العامة والاستثمار في التعليم والصحة، الأمر الذي سمح بتحقيق معدلات عالية من النمو والاستقرار والتماسك الاجتماعي.
وتكتسب التجربة النرويجية أهمية خاصة بالنسبة للدول النفطية، إذ نجحت في تحويل الإيرادات النفطية من مورد ريعي مؤقت إلى أصل استثماري طويل الأجل من خلال إنشاء صندوق سيادي ضخم يستثمر عائدات النفط لصالح الأجيال القادمة. وقد ساعد ذلك على تجنب كثير من الاختلالات التي تعاني منها الاقتصادات الريعية، وربط الثروة النفطية بالتنمية المستدامة بدلاً من الاستهلاك الآني.
تظهر هذه التجارب مجتمعة أن المشكلة لا تكمن في وجود الدولة أو السوق، وإنما في طبيعة العلاقة بينهما. فحين تتضخم الدولة وتحتكر النشاط الاقتصادي تتراجع الكفاءة والابتكار، وحين تُترك الأسواق دون تنظيم أو رقابة تتزايد مخاطر الاحتكار والأزمات والتفاوت الاجتماعي. ولذلك فإن التجارب الأكثر نجاحاً لم تبنِ نماذجها على انتصار الدولة أو انتصار السوق، بل على بناء مؤسسات قادرة على الحد من إخفاقات الطرفين معاً . فالدولة الرشيدة هي التي تضع القواعد وتوفر البيئة المؤسسية العادلة، والسوق الكفوء هو الذي يحول العمل والمعرفة والاستثمار إلى ثروة وإنتاج. وعندما يختل هذا التوازن تظهر مظاهر الفشل الحكومي أو الفشل السوقي، أما عندما يتحقق التوازن فإن الاقتصاد يتحول إلى أداة للتنمية ويكون الإنسان هو المستفيد الأول من الثروة والنمو.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام