الاقتصاد نيوز - بغداد
لا تكمن أهمية تشكيل المجلس الأعلى للنزاهة في كونه مؤسسة رقابية جديدة تضاف إلى الهيكل الإداري للدولة، بل في كونه محاولة لمعالجة واحدة من أعمق المشكلات البنيوية التي واجهت الاقتصاد العراقي خلال العقود الماضية، وهي الفجوة المتسعة بين الثروة المتاحة والتنمية المتحققة.
فالعراق لا يعاني من ندرة الموارد بقدر ما يعاني من ضعف القدرة المؤسسية على تحويل الموارد إلى تنمية. وخلال السنوات الماضية تدفقت على الخزينة العامة عوائد نفطية هائلة تجاوزت تريليوني دولار، وهو رقم يضع العراق بين أكبر الاقتصادات النفطية من حيث الإيرادات المتحققة. ومع ذلك، فإن مؤشرات البنية التحتية والخدمات العامة والتنويع الاقتصادي لم ترتق الى المستوى الذي يفترض أن تنتجه هذه الموارد. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين تكمن المشكلة؟
إن الإجابة التي توصلت إليها المدرسة المؤسسية الحديثة في الاقتصاد، والتي يمثلها دوغلاس نورث ودارون أسيموغلو وغيرهما، تتمثل في أن الثروة لا تنتج التنمية تلقائياً، بل إن المؤسسات هي التي تحدد ما إذا كانت الموارد ستتحول إلى استثمار وإنتاج ورفاه اجتماعي، أم إلى هدر وفساد وامتيازات ريعية. فالتاريخ الاقتصادي يقدم شواهد كثيرة على أن الدول لا تنهض بما تمتلكه من موارد، بل بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على إدارة تلك الموارد.
ومن هذا المنظور، لا يمثل الفساد مجرد خسارة مالية يمكن تعويضها، بل يمثل اختلالاً في آلية عمل الاقتصاد نفسه. فالاقتصاد السليم يقوم على مبدأ بسيط: أن يحصل الأكثر كفاءة على الموارد والفرص. أما الاقتصاد الذي يخضع للفساد فيقوم على مبدأ مختلف تماماً: أن يحصل الأقرب إلى النفوذ على الموارد بغض النظر عن الكفاءة. وعندما يحدث ذلك، تبدأ عملية واسعة من سوء تخصيص الموارد، وهي من أخطر الظواهر التي يدرسها علم الاقتصاد.
فالمشكلة الحقيقية ليست في الأموال التي تُسرق أو تُهدر فحسب، بل في المشاريع التي لم تُنجز، والاستثمارات التي لم تأتِ، والوظائف التي لم تُخلق، والنمو الذي لم يتحقق. ولهذا فإن التكلفة الاقتصادية للفساد أكبر بكثير من قيمة الأموال المفقودة نفسها، لأنها تشمل تكلفة الفرصة الضائعة؛ أي كل ما كان يمكن تحقيقه لو استُخدمت تلك الموارد بكفاءة.
فكل مليار دولار يُهدر لا يعني فقط خسارة مليار دولار، بل يعني أيضاً خسارة المدارس والمستشفيات والطرق والمصانع وفرص العمل التي كان يمكن أن يولدها هذا المبلغ لو استُثمر بصورة صحيحة. ومن هنا يصبح الفساد عملية استنزاف مزدوجة: فهو يبدد الموارد الحالية ويقوض القدرة المستقبلية على النمو.
وعند هذه النقطة تبرز الأهمية الاقتصادية الحقيقية للمجلس الأعلى للنزاهة. فهو، نظرياً، ليس مجرد أداة لملاحقة المخالفات، بل أداة لإعادة توجيه الحوافز داخل الاقتصاد. فجوهر التنمية لا يكمن في زيادة الإنفاق الحكومي بقدر ما يكمن في تحسين نوعية الإنفاق. والدول لا تصبح أكثر ثراءً عندما تنفق أكثر، بل عندما تنفق بصورة أكثر كفاءة.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن النمو الاقتصادي المستدام لا يتحقق بمجرد زيادة الاستثمارات أو ارتفاع أسعار النفط، بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على ضمان وصول الموارد إلى الاستخدامات الأكثر إنتاجية. ولهذا لم يكن من المصادفة أن تحقق دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية قفزاتها الاقتصادية الكبرى بالتزامن مع بناء مؤسسات رقابية قوية وتطبيق صارم لمبادئ النزاهة والمساءلة.
كما أن للمجلس بعداً اقتصادياً آخر يتعلق بتخفيض ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ"تكاليف المعاملات". فقد أوضح رونالد كوز أن جزءاً كبيراً من كفاءة الاقتصاد يعتمد على انخفاض التكاليف غير الإنتاجية التي تواجه الأفراد والشركات. والفساد يمثل أحد أكبر مصادر هذه التكاليف، لأنه يضيف إلى النشاط الاقتصادي أعباءً إضافية من عدم اليقين والتأخير والابتزاز الإداري وضعف الثقة. وكلما انخفضت هذه التكاليف ازدادت كفاءة الأسواق وارتفعت معدلات الاستثمار.
وعلى المستوى الكلي، فإن نجاح المجلس يمكن أن يسهم في تعزيز الاستدامة المالية للدولة. فالعراق يقف اليوم أمام تحديات متزايدة تتعلق بالنمو السكاني وارتفاع الطلب على الخدمات وفرص العمل. وفي ظل هذه الضغوط لم يعد ممكناً الاعتماد على زيادة الإنفاق وحدها كحل للمشكلات الاقتصادية، بل أصبح من الضروري رفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة. وهنا تتحول مكافحة الفساد من قضية أخلاقية إلى ضرورة اقتصادية.
غير أن الأهمية الأعمق للمجلس تتجلى في قدرته المحتملة على معالجة واحدة من الإشكاليات المركزية في الاقتصاد السياسي العراقي، وهي ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ"لعنة الموارد". فالمفارقة التاريخية التي واجهت العديد من الدول الغنية بالموارد الطبيعية تتمثل في أن وفرة الثروة قد تتحول إلى عامل إبطاء للتنمية عندما تُضعف الحاجة إلى بناء مؤسسات قوية وفعالة. وفي الاقتصادات الريعية، حيث تعتمد الدولة بصورة رئيسية على الإيرادات النفطية، يصبح التنافس على الوصول إلى الريع أكثر جاذبية من التنافس على الإنتاج والاستثمار والابتكار.
ومن هنا فإن جوهر التحدي الذي يواجه العراق لا يكمن في إنتاج المزيد من النفط، بل في بناء مؤسسات قادرة على تحويل العائدات النفطية إلى رأس مال منتج. فالدول الغنية لا تُقاس بحجم ما تستخرجه من باطن الأرض، وإنما بحجم ما تستطيع أن تبنيه فوقها. ولهذا فإن المجلس الأعلى للنزاهة يمكن أن يشكل، إذا ما مُنح الاستقلالية والفاعلية اللازمتين، خطوة باتجاه الانتقال من اقتصاد يقوم على توزيع الريع إلى اقتصاد يقوم على تعظيم الإنتاجية.
إن المسألة في جوهرها ليست معركة ضد الفساد فحسب، بل معركة من أجل إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والثروة. فكلما خضعت إدارة الموارد العامة لمبادئ الشفافية والمساءلة، اقترب الاقتصاد من منطق التنمية. وكلما بقيت الموارد أسيرة شبكات المصالح والامتيازات، اقترب الاقتصاد من إعادة إنتاج الحلقة الريعية ذاتها مهما ارتفعت الإيرادات النفطية.
ولذلك فإن نجاح المجلس لا يقاس فقط بعدد الملفات التي يفتحها أو الأموال التي يستردها، بل بمدى مساهمته في تغيير البيئة المؤسسية التي تنتج الفساد من الأساس. فالتنمية ليست نتاج الثروة وحدها، وإنما نتاج العلاقة بين الثروة والمؤسسات. وكلما كانت المؤسسات أكثر قوة واستقلالاً وشفافية، ازدادت قدرة المجتمع على تحويل موارده إلى ازدهار مستدام.
ومن هنا فإن المجلس الأعلى للنزاهة يمكن النظر إليه بوصفه استثماراً في رأس المال المؤسسي للدولة العراقية، لأن المؤسسات القوية ليست عبئاً على الاقتصاد كما يعتقد البعض، بل هي أهم أصوله غير المادية. فالاقتصادات الحديثة لا تقوم فقط على رأس المال المالي أو الموارد الطبيعية، بل على الثقة وسيادة القانون وجودة المؤسسات.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية للمجلس لن تتحدد بقرار تشكيله، وإنما بقدرته على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع والسوق. فالثقة هي العملة الخفية التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة، وعندما تفقد الدولة ثقة مواطنيها ومستثمريها ترتفع كلفة كل شيء: الاستثمار، والتمويل، والإدارة، والتنمية. أما عندما تنجح في بناء مؤسسات نزيهة وفعالة، فإنها لا تحارب الفساد فقط، بل تؤسس لشروط النمو الاقتصادي طويل الأمد، وتضع الأساس لاقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة واستدامة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام