
شهدت العاصمة بغداد وعدد من المحافظات خلال الأيام الماضية اضطراباً ملحوظاً في توفر غاز الطبخ، رافقه ارتفاع في أسعار الأسطوانات داخل الأسواق المحلية، ما فتح باب التساؤلات مجدداً حول طبيعة هذه الأزمات المتكررة: هل هي أزمة إنتاج حقيقية أم خلل مزمن في منظومة التوزيع والرقابة؟ وبين نفي الجهات الرسمية واتهامات الاحتكار من جهة، وتحذيرات الخبراء من اختلالات هيكلية في قطاع الطاقة من جهة أخرى، تتكشف ملامح أزمة مركبة تتجاوز حدود الأعطال الفنية المؤقتة.
وفي خضم الجدل الدائر حول أسباب شح غاز الطبخ، أصدرت وزارة النفط ومسؤولون محليون سلسلة من التصريحات نفت وجود أي نقص حقيقي في المادة، وأكدت أن الأزمة ناتجة عن عوامل لوجستية وعمليات احتكار متعمدة.
ونفى المتحدث باسم وزارة النفط، صاحب بزون، وجود أزمة حقيقية في مادة غاز الطبخ، مؤكداً أن العراق لا يعاني من نقص في هذا المنتج، بل يمتلك فائضاً يتم تصديره إلى خارج البلاد. ووصف بزون ما يحدث في بغداد بأنه “أزمة مفتعلة”، محمّلاً بعض الناقلين ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مسؤولية تضخيمها.
وأوضح أن ارتفاع الطلب يعود بالأساس إلى الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي، ما دفع المواطنين وأصحاب المطاعم والمقاهي إلى استخدام غاز الطبخ لأغراض التدفئة في ظل الأجواء الباردة، الأمر الذي رفع مستوى الاستهلاك بشكل مفاجئ.
وأشار بزون إلى أن الوزارة رفعت معدلات الإنتاج اليومية من 120 ألف قنينة إلى 160 ألف قنينة، إلا أن بعض أصحاب العجلات الناقلة لجؤوا إلى شراء كميات كبيرة واحتكارها بهدف بيعها بأسعار تفوق السعر الرسمي. وأكد عدم وجود أي توجه حكومي لرفع أسعار غاز الطبخ، نافياً صحة ما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ومبيناً أن الوزارة تعمل على ضخ شحنات إضافية لتغطية الطلب المتزايد في بعض مناطق بغداد.
كما لفت إلى أن العراق يصدر حالياً نحو 20 ألف طن من غاز الطبخ، ما يعكس ـ بحسب وصفه ـ وجود فائض عن الحاجة المحلية.
وفي السياق ذاته، أكد وكيل وزارة النفط لشؤون الغاز، عزت صابر إسماعيل، في تصريحات سابقة، أن معدلات الإنتاج في البلاد تفوق مستويات الاستهلاك، حتى مع الحديث عن أزمة في بعض المحافظات، بينها بغداد.
من جهته، أعلن المدير العام للشركة العامة لتعبئة وخدمات الغاز، أنمار علي حسين، أن الإنتاج اليومي من أسطوانات الغاز السائل تجاوز 160 ألف أسطوانة في المعامل الحكومية المنتشرة في مناطق العاصمة.
ورغم هذه البيانات الرسمية التي تؤكد وفرة الإنتاج، شهدت مناطق عدة في بغداد وبعض المحافظات صعوبة في الحصول على الأسطوانات، مع ارتفاع سعرها من 8 آلاف دينار إلى نحو 10 آلاف دينار، الأمر الذي فجر موجة استياء شعبي وتشكيك بفعالية منظومة التوزيع والرقابة.
وفي محافظة ديالى، أوضح رئيس مجلس المحافظة عمر الكروي أن الأزمة جاءت نتيجة عوامل طارئة، أبرزها تداعيات السيول التي ضربت قضاء طوز خرماتو وقطعت الطريق الرئيسي، ما أدى إلى تأخير وصول شحنات الغاز إلى المعامل.
وأعلن عن تشغيل 24 معملاً لضخ 32 ألف قنينة يومياً لمواجهة الأزمة، مشيراً إلى أن الشحنات عادت للتدفق مع ساعات الصباح، مع توجيه الأجهزة الأمنية باتخاذ الإجراءات القانونية بحق من استغلوا الأزمة ورفعوا الأسعار، مؤكداً أن الإنتاج عاد إلى وضعه الطبيعي.
لكن القراءة الاقتصادية للأزمة تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد أعطال مؤقتة أو إشكالات نقل، إذ يرى الخبير في الشأن الاقتصادي ضياء محسن أن تكرار هذه الأزمات يعكس خللاً هيكلياً في منظومة الطاقة والتوزيع، مشيراً إلى أن الاعتماد على أنبوب ناقل واحد أو شبكة قديمة يجعل أي خلل بسيط يتحول إلى أزمة وطنية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
وأوضح محسن أن غياب السيطرة الحكومية على الباعة الجوالين فتح الباب أمام مضاربات السوق السوداء، فيما ساهم توقف إمدادات الغاز من إيران خلال فصل الشتاء، بسبب زيادة الطلب المحلي هناك، في زيادة الضغط على الغاز المسال داخل العراق بوصفه بديلاً رئيسياً للطاقة.
وبيّن أن الأزمة "حقيقية من حيث وصول الخدمة إلى المواطن، لكنها مفتعلة من حيث توفر المادة الخام"، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في إدارة التوزيع لا في حجم الإنتاج.
وأضاف أن بعض أصحاب عربات التوزيع من القطاع الخاص استغلوا أخبار الخلل الفني لتقليل العرض عمداً، ما تسبب في ارتفاع سعر الأسطوانة من 7 آلاف دينار إلى ما بين 10 و12 ألف دينار في بعض المناطق.
وأشار كذلك إلى أن انتشار أخبار الشح دفع العديد من المواطنين إلى تخزين أكثر من أسطوانة تحسباً للانقطاع، وهو ما يُعرف اقتصادياً بـ"الهلع الاقتصادي"، وهو سلوك يسهم بحد ذاته في خلق أزمة حتى لو كان المعروض كافياً في الأساس.
وشدد الخبير على أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب إصلاحاً شاملاً لمنظومة التوزيع، وتشديد الرقابة على المنافذ والباعة الجوالين، إلى جانب تنويع مصادر الإمداد وتحديث البنى التحتية، لتفادي تكرار مثل هذه الأزمات التي باتت تتكرر مع كل ظرف طارئ.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام