كركوك.. السيول تعيد إحياء الكهاريز والعيون المائية وتكشف إرثاً طبيعياً مطموراً

الاقتصاد نيوز - بغداد

أعادت السيول الأخيرة التي شهدتها محافظة كركوك، تسليط الضوء على واحد من أهم الموارد الطبيعية والتاريخية في المحافظة، والمتمثل بـ"الكهاريز" والعيون المائية، بعد أن أسهمت بشكل طبيعي في تنظيف المسارات المائية وإزالة كميات كبيرة من الأطيان والترسّبات، ما أدى إلى كشف كهاريز كانت مطمورة أو شبه متوقفة منذ سنوات.

ولم يكن هذا الفعل الطبيعي للسيول مجرد حدث عابر، بل مثّل نقطة تحول بيئية ومائية، إذ ساعد على إحياء مجارٍ مائية قديمة، وفتح منافذ جديدة لتدفق المياه الجوفية، الأمر الذي انعكس إيجاباً على واقع المياه والزراعة، وأعاد الاهتمام الشعبي والرسمي بهذه الثروة الطبيعية.

وكهاريز هي مجموعة آبار تفصل بين الواحدة والأخرى نحو 100 قدم، وتتصل ببعضها البعض عبر قناة تجري تحت الأرض بنحو 60 إلى 80 قدماً، ويبلغ عرضها متر وعمقها يتراوح بين 2-4 أمتار، ومياهها عذبة وتنبع معظمها من نهر "خاصة صو"، أحد الروافد المغذية لنهر دجلة.

وتُعد كركوك (255 كم شمال العاصمة بغداد)، من المناطق التي يقل فيها تساقط الأمطار وتغيب عنها مصادر المياه، عدا نهر الزاب الذي يمر من ناحية "ألتون كوبري" المحاذية لمحافظة أربيل (عاصمة إقليم كوردستان)، ويستمر بالجريان نحو قضاء الدبس ومنها يدخل محافظة صلاح الدين ليفارق النهر أرض المحافظة التي تحتاج الكثير من مساحاتها للإرواء بسبب قلة الواردات المائية من دول الجوار لنهري دجلة والفرات.

لكن كركوك تمتلك العشرات من الكهاريز والعيون ولعل أشهرها وأكثرها جمالية تلك التي تستعد للدخول ضمن لائحة التراث العالمي خلال العام الحالي.

وفي هذا السياق، أكد مدير الموارد المائية في كركوك زكي كريم، أن محافظة كركوك تُعد من أشهر المحافظات العراقية بوجود الكهاريز والعيون المائية، والتي تشكل جزءاً أساسياً من المخزون المائي والمياه الجوفية، مبيناً أن هذه المياه تنبع من باطن الأرض والكهوف الطبيعية، وتتميز بديمومتها في العديد من المناطق.

وأوضح كريم أن من أبرز هذه المواقع كهاريز بيخان السفلي والعلوي الواقعين في ناحية شوان (35 كم شمال كركوك)، حيث يمتازان بتدفق المياه على مدار أيام السنة، ويُعدان من أهم المقاصد السياحية الطبيعية التي يقصدها آلاف المواطنين من داخل المحافظة وخارجها.

وأشار إلى أن السيول الأخيرة كان لها دور طبيعي مهم في إزالة التراكمات الطينية، التي تجمعت على مدى سنوات داخل المسارات المائية، ما أدى إلى تحسين تدفق المياه وظهور عيون جديدة، مؤكداً أن هذه العملية تمت دون أي تدخل بشري، وبقوة الطبيعة وحدها.

وبيّن كريم، أن كهاريز بيخان مرشحة خلال العام الحالي للدخول ضمن قائمة التراث العالمي، بعد زيارة وفد من منظمة اليونسكو، الذي اطّلع ميدانياً على الموقعين ووضع شروطاً فنية وتنظيمية لغرض استكمال إجراءات التسجيل.

وأضاف أن دائرة الموارد المائية عملت على تنفيذ جميع متطلبات وفد اليونسكو، من بينها إدراج المواقع على شبكة الإنترنت وخرائط غوغل، إضافة إلى أعمال تنظيم وتأهيل وإظهار الموقعين بصورة جمالية تليق بقيمتهما البيئية والتاريخية، لافتاً إلى أن طبيعة المنطقة الجغرافية، بما تحتويه من تلال وكهوف، تسهم في استمرار تدفق المياه لمسافات طويلة، واستخدامها في الإرواء وسقي الأراضي الزراعية.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن محافظة كركوك تضم نحو 400 كهريز وعين مائية، تتوزع في مناطق مختلفة، أبرزها ناحية قره هنجير التي تضم 81 كهريزاً وعيناً مائية، إضافة إلى وجودها في ناحية تازة وقضاء داقوق، ما يجعل المحافظة واحدة من أغنى مناطق العراق بهذا النوع من الموارد المائية.

من جانبه، قال المختص في شؤون المياه في كركوك يوسف أحمد، إن الكهاريز والعيون المائية تمثل ميزة بيئية نادرة للمحافظة مقارنة ببقية المحافظات، ويمكن استثمارها بصورة أفضل لتكون مصادر مائية داعمة، فضلاً عن كونها مورداً سياحياً واقتصادياً يسهم في دعم الدخل المحلي.

وفي السياق ذاته، قال عبد الرحمن الجمّاس وهو أحد سكان المنطقة، إن الكهاريز الواقعة عند المدخل الجنوبي لمدينة كركوك مقابل العلوة الشعبية كانت في السابق مكباً مائياً ومصدراً لانبعاث الغازات والروائح، إلا أن قوة السيول الأخيرة حولتها إلى منبع مائي نظيف، حيث باتت المياه الصافية تتدفق منها بوضوح.

وأوضح الجمّاس أن هذه المياه تُعد جزءاً من كهاريز العيون الطبيعية التي تخرج من باطن الأرض، وتمتاز بقوة تدفق كبيرة، ما يؤكد أهميتها كمصدر مائي حيوي، داعياً إلى حمايتها من التجاوزات ومنع تحويلها مجدداً إلى مكبات أو مواقع ملوّثة.

من جهته، قال سجاد علي، أحد سكان أطراف كهاريز كركوك الجنوبية، إن السيول الأخيرة أعادت الحياة إلى مناطق كانت مهملة منذ سنوات، وكشفت عن مجارٍ مائية لم يكن كثير من السكان يعلمون بوجودها، مطالباً الجهات المعنية باستثمار هذه الموارد وحمايتها لما تمثله من إرث طبيعي وبيئي مهم للأجيال القادمة.

ويجمع متخصصون ومواطنون على أن ما كشفته السيول الأخيرة يُعد فرصة حقيقية لإعادة النظر في ملف الكهاريز والعيون المائية في كركوك، سواء من ناحية الحفاظ عليها بيئياً أو استثمارها اقتصادياً وسياحياً، بما يسهم في تعزيز الأمن المائي وحماية هذا الإرث الطبيعي الفريد.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 123
أضيف 2026/01/09 - 2:19 PM