
يشهد سوق الصرف العراقي منذ أيام حالة من التذبذب اللافت في أسعار صرف الدولار مقابل الدينار، وهي حالة لا يمكن فصلها عن حزمة من التحولات العميقة التي طرأت على السياسة النقدية والجمركية والمالية للدولة.
وبينما يركّز جزء من الرأي العام على الارتفاعات الآنية في السوق الموازية، تبرز قراءة أكثر عمقًا ترى في هذه التقلبات مرحلة انتقالية طبيعية ضمن مسار إصلاحي أوسع يستهدف ضبط الاقتصاد، وتعزيز الشفافية، وحماية الاستقرار المالي على المدى المتوسط والطويل.
نظام "سكودا".. من بوابة الجمارك إلى قلب سوق الصرف
يضع الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي الإصبع على أحد أهم الأسباب المباشرة لارتفاع أسعار الصرف في السوق الموازية، وهو تطبيق نظام التدقيق الرقمي الأوروبي المعروف بـ"سكودا".
ويربط هذا النظام البيانات الجمركية بين المنافذ الحدودية والمصارف، اذ دخل حيّز التنفيذ في الأول من كانون الأول الماضي، بدءًا بأربع سلع رئيسية هي الذهب والمجوهرات والهواتف النقالة والسيارات وأجهزة التبريد، قبل أن يُعمم لاحقًا على مختلف السلع المستوردة.
وذكر المرسومي، أن الهدف الجوهري من "سكودا" واضح: تقنين استخدام الدولار، منع التلاعب بالفواتير، ضمان مطابقة السلع لشهادات المنشأ، وإغلاق واحدة من أخطر بوابات الهدر والفساد في التجارة الخارجية.
غير أن التطبيق العملي، بحسب المرسومي، اصطدم بواقع مؤسسي غير مكتمل، تمثل بازدواجية الأنظمة الجمركية بين منافذ إقليم كردستان من جهة، ومنافذ الوسط والجنوب من جهة أخرى.
وأشار الى أن هذه الازدواجية خلقت حافزًا قويًا لدى شريحة من التجار لتجنب المنصة الرسمية، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى السوق الموازية للحصول على الدولار، أو تحويل مسارات الاستيراد نحو منافذ الإقليم، ما رفع الطلب على العملة الأجنبية خارج القنوات الرسمية، ودفع السعر الموازي إلى مستويات قاربت 145 ألف دينار لكل 100 دولار، ثم تجاوزتها في بعض الفترات.
ويحذّر المرسومي من أن استمرار هذا الوضع لا يحمل فقط أثرًا نقديًا، بل يمتد ليهدد الإيرادات الجمركية للدولة، التي قد تخسر جزءًا مهمًا منها نتيجة تحويل النشاط التجاري نحو منافذ لا تخضع لنفس النظام الرقمي. كما أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، إذا طال أمده، قد ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع المستوردة، ومن ثم على معدلات التضخم ومستوى معيشة المواطن.
من هنا، يبرز جوهر الإشكالية: الإصلاح بحد ذاته ضروري، بل حتمي، لكن نجاحه مرهون بتوفير مستلزمات التطبيق الشامل والعادل، وبالتنسيق الوثيق بين البنك المركزي، والجهات الحكومية، ورابطات التجار والمستوردين، للوصول إلى صيغة انتقالية تشجّع الالتزام بالنظام الجديد بدل الهروب منه.
الحكومة والبنك المركزي.. معركة هادئة لاستعادة التوازن
في مقابل هذا التشخيص النقدي، تؤكد مصادر حكومية أن الدولة، بالشراكة مع البنك المركزي والجهات الاقتصادية المختصة، أطلقت بالفعل سلسلة إجراءات وسياسات بدأت تؤتي ثمارها تدريجيًا، مع تسجيل انخفاضات ملموسة في أسعار صرف الدولار خلال الأيام الأخيرة في بغداد وأربيل.
هذه الإجراءات تنطلق من رؤية شاملة لضبط سوق الصرف، لا تعتمد على الحلول السطحية أو المؤقتة، بل على مزيج من السياسات النقدية والمالية والتنظيمية. فقد حافظ البنك المركزي على السعر الرسمي للدينار عند 1320 دينارًا للدولار، بوصفه مرساة استقرار أساسية للمعاملات الرسمية، ورسالة واضحة للأسواق بأن السياسة النقدية ما زالت متماسكة وقادرة على ضبط الاتجاهات العامة.
إلى جانب ذلك، جرى تعزيز التعامل بالدينار داخل الاقتصاد المحلي، عبر فرض قيود على استخدام الدولار في المعاملات الداخلية، خصوصًا في قطاعات العقارات والسلع الكمالية، وهو ما ساهم في تقليص الطلب غير المنتج على العملة الأميركية.
تنظيم السوق ومحاصرة المضاربات
ضمن الإطار نفسه، كثّفت الجهات المعنية جهودها لتنظيم سوق الصرف، وحصر عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية بالقنوات الرسمية، في محاولة لتجفيف منابع المضاربة التي غذّت سابقًا ارتفاعات غير مبررة في السوق السوداء.
كما اتجهت السياسة التجارية إلى توسيع استخدام عملات بديلة في الاستيراد، مثل اليورو واليوان الصيني والروبية الهندية، ما خفف نسبيًا الضغط على الدولار، وفتح هامشًا أوسع للمناورة في إدارة الطلب على العملة الصعبة.
هذه المقاربة المتعددة الأدوات تعكس إدراكًا رسميًا بأن معالجة ملف سعر الصرف لا يمكن أن تتم عبر ضخ الدولار في السوق الموازية، كما يطالب البعض، لأن ذلك يعني ببساطة تغذية الطلب نفسه، وإدامة الحلقة المفرغة بدل كسرها.
قراءة رسمية: التذبذب "وقتي" لا هيكلي
في هذا السياق، قدّم مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، قراءة أكثر هدوءًا وعمقًا للتقلبات الأخيرة، معتبرًا أن ما يشهده السوق الموازي من تذبذب هو "وقتي" بطبيعته، ولا يعكس اختلالًا هيكليًا في الاقتصاد العراقي.
صالح أوضح أن هذه التحركات تمثل ردود فعل طبيعية للأسواق عند تلقيها إشارات جديدة من السياسة المالية، ولا سيما بعد إطلاق حزمة الانضباط المالي التي ركزت على إعادة فحص مسارات الإنفاق العام، وتعزيز كفاءة الإيرادات، وتوسيع وضبط الأوعية الضريبية والجمركية.
فالسوق، بحسب تعبيره، تميل بطبيعتها إلى "اختبار" السياسات الجديدة قبل أن تتكيف معها وتعود إلى مسارات أكثر استقرارًا.
الأهم في حديث صالح هو تأكيده أن "أثر هذه التذبذبات لم ينتقل إلى مستوى المعيشة اليومية، إذ ظل معدل التضخم السنوي بحدود 2.5%، وهو مستوى منخفض نسبيًا، بفضل تضافر ثلاث سياسات أساسية: سياسة نقدية بسعر صرف رسمي ثابت، وسياسة مالية داعمة يشكّل الدعم فيها نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وسياسة تجارية دفاعية أسهمت في امتصاص الصدمات السعرية".
بين الضوضاء والواقع… لماذا لم يتأثر المواطن؟
يذهب صالح إلى أبعد من ذلك حين يشير إلى أن سوق الصرف الموازي "انفصل عمليًا" عن مستوى الدخول والاستهلاك، وانتقل تأثيره إلى قطاع الأصول، الذي لا يرتبط مباشرة بالمعيشة اليومية لغالبية المواطنين. ويستخدم توصيفًا لافتًا حين يتحدث عن دور منظومة الأسواق الحديثة (الهايبر ماركت) في امتصاص ما سماه "الضوضاء الملوّنة" لسوق الصرف، وتحويلها إلى "ضوضاء بيضاء" مستقرة من حيث الأسعار.
هذا التوصيف يعكس حقيقة أن الاقتصاد العراقي، رغم هشاشته في بعض الجوانب، بات يمتلك أدوات أفضل لامتصاص الصدمات، مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها أي حركة في سعر الصرف تنعكس فورًا وبقوة على أسعار السلع الأساسية.
مؤشرات ميدانية… انخفاض فعلي في الأسعار
اللافت أن هذه القراءة لم تبقَ في إطار التحليل النظري، بل رافقتها مؤشرات ميدانية ملموسة. فقد سجّلت أسعار الدولار انخفاضًا مع إغلاق التعاملات في بورصتي الكفاح والحارثية في بغداد، لتصل إلى 146,900 دينار لكل 100 دولار، بعد أن كانت أعلى في ساعات الصباح. كما تراجعت أسعار البيع والشراء في محال الصيرفة، وسُجّلت انخفاضات مماثلة في أربيل، ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في المزاج العام للسوق.
خلاصة المشهد… إصلاح مؤلم لكن ضروري
يمكن القول إن العراق يقف اليوم عند مفترق طرق اقتصادي حساس: إصلاحات عميقة لا بد منها، لكنها تأتي بكلفة انتقالية، أبرز مظاهرها التذبذب في سوق الصرف. نظام «سكودا» ليس المشكلة بحد ذاته، بل جزء من الحل، شرط أن يُستكمل تطبيقه بشكل موحّد وعادل على جميع المنافذ، وأن يُرفق بحوار حقيقي مع الفاعلين الاقتصاديين.
وبين تشخيص المرسومي النقدي، وقراءة الحكومة والبنك المركزي المتفائلة، تتبلور صورة أكثر توازنًا: ما يجري ليس انهيارًا، بل مخاض إصلاحي، نجاحه مرهون بالقدرة على إدارة المرحلة الانتقالية بحكمة، والتوفيق بين متطلبات الانضباط المالي، وواقع السوق، ومصالح المواطن.
في النهاية، يبدو أن معركة استقرار الدينار ليست معركة يوم أو أسبوع، بل مسار طويل، عنوانه الأبرز: بناء اقتصاد أقل هشاشة، وأكثر شفافية، وأقدر على الصمود أمام الصدمات.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام