
في خطوة طموحة تعكس التوجه الجاد نحو التحول الرقمي والحوكمة الإلكترونية، أعلنت وزارة الداخلية العراقية قرب إطلاق مشروع السكن الإلكتروني، الذي يُعد أحد أبرز المشاريع الحكومية الهادفة إلى تحديث الخدمات المدنية وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية والبيروقراطية الإدارية. ويأتي المشروع في إطار رؤية استراتيجية تسعى إلى تحديث البنية التحتية الرقمية للمؤسسات الحكومية، وتسهيل حياة المواطنين من خلال دمج بطاقة السكن التقليدية ضمن منظومة البطاقة الوطنية الموحدة، لتكون بمثابة مرجع شامل ومتكامل لجميع بيانات الفرد.
المشروع الجديد، الذي سيتم تنفيذه بالتعاون مع شركة "فريدوس" الألمانية المتخصصة، يهدف إلى اختزال العديد من الإجراءات التي كانت تتطلب مراجعات متكررة ومجهدة لعدة دوائر رسمية. فبمجرد دمج معلومات السكن ضمن البطاقة الوطنية، لن يُطلب من المواطن مراجعة دوائر السكن إلا في حالات تغيير محل الإقامة لتحديث البيانات فقط. ويعني ذلك، عمليًا، تقليل التكاليف والجهد والوقت المبذول من قبل المواطنين، إلى جانب تقليص حجم العمل الورقي واليدوي داخل المؤسسات الحكومية.
وزارة الداخلية أكدت أن هذه الخطوة تندرج ضمن جهودها المستمرة لتعزيز التحول الرقمي، عبر إنشاء شبكة وطنية متكاملة للمعلومات تدار بشكل مركزي وآمن، وذلك وفقًا لقانون البطاقة الوطنية رقم (3) لسنة 2016، الذي ألغى قوانين الأحوال المدنية السابقة وتنظيم محلات السكن، لصالح نظام موحد حديث. وتم التأكيد كذلك على أن جميع البيانات، بما فيها معلومات السكن، ستكون مؤمّنة بالكامل، وأن المشروع يُدار من قبل كوادر وطنية متخصصة داخل مديرية الأحوال المدنية والجوازات والإقامة، دون أي تدخل خارجي.
وعلى الرغم من موجة الشائعات التي رافقت الإعلان عن المشروع، لا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تحدثت عن إحالة المشروع إلى شركة سورية، فقد نفت وزارة الداخلية هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أن الشركة المنفذة هي "فريدوس" الألمانية، وهي شركة رافقت تنفيذ النظام منذ انطلاقه، وتحظى بجميع الموافقات الأمنية المطلوبة. كما أوضحت أن إدارة نظام المعلومات المدني تُعد إدارة وطنية بحتة تُدار من قبل كوادر عراقية تعمل ضمن أحكام قانون البطاقة الوطنية، مشددة على أن نظام إدخال معلومات السكن ضمن البطاقة الوطنية تم تطويره بأسلوب تقني متقدّم يواكب التطورات الحديثة في أنظمة التوثيق.
رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ترأس اجتماعًا خاصًا لمناقشة المشروع، وشدد خلاله على ضرورة إنجاز الخطوات التنفيذية بالسرعة الممكنة، وتوسيع نطاق دمج المستمسكات الأخرى ضمن البطاقة الوطنية، بما يجعل منها مرجعًا إلكترونيًا موحدًا لجميع بيانات المواطن، ويُقلل من مراجعاته للمؤسسات الرسمية. كما تضمن الاجتماع استعراضًا لتوصيات تتعلق بتطوير النظام الإلكتروني للبطاقة الموحدة، ليشمل خدمات جديدة مثل تحديث السكن، تغيير الحالة الاجتماعية، وطلب صورة القيد، ضمن رؤية شاملة لحوكمة الخدمات وتبسيط الإجراءات.
وفي هذا الإطار، أشار الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري إلى أن دمج بطاقة السكن بالبطاقة الوطنية لا يتطلب كلفًا مالية كبيرة كما يُشاع، بل على العكس، يُمكن أن يسهم في تخفيف الأعباء التشغيلية على مؤسسات الدولة.
وأوضح أن تقليص عدد المراجعات من أكثر من دائرة إلى مراجعة واحدة سينعكس على خفض الضغط الإداري وتقليل الوقت الضائع على المواطن والموظف معاً.
كما أضاف أن وجود مستمسك موحد يضم جميع بيانات المواطن قد يسهم في تنظيم الرسوم والجباية بشكل أدق، إذا ما طُبق ضمن إطار قانوني واضح، دون أن يشكل عبئًا ماليًا مباشراً على الأفراد.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يُتوقع أن ينعكس المشروع بشكل مباشر على تحسين التخطيط الحكومي، بفضل قاعدة البيانات الدقيقة والموحدة التي سيتيحها. إذ ستتمكن الجهات الرسمية من استخدام هذه البيانات في رسم السياسات العامة في مجالات الخدمات والإسكان والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، مما يعزز من كفاءة الأداء الحكومي، ويزيد من مستوى الشفافية والثقة بين المواطن والدولة.
ويبدو أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في طريقة تقديم الخدمات الحكومية، وتكرّس لمبدأ الإدارة الرقمية الحديثة، ما من شأنه أن يخفف العبء عن المواطنين، ويعزز من كفاءة المؤسسات الرسمية، ويضع العراق في مسار التحول الرقمي الكامل، بما يواكب التطورات العالمية في مجال تكنولوجيا المعلومات والخدمات المدنية.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام