00964 781 014 6125     info@Economy-News.net
  نمط العولمة الجديد المتسارع حول العالم
الدكتور مهند طالب الحمدي
مقالات
الدكتور مهند طالب الحمدي

 

تباطأت العولمة بالمعنى التقليدي للكلمة في العقدين الماضيين. حتى قبل أن تحطمها جائحة فايروس كورونا، ظلت التجارة العالمية راكدة لمدة عقدS من الزمن. بحلول العام الماضي، انخفضت حصة الاستثمار الأجنبي المباشر من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار الثلثين مقارنة بالذروة التي وصل اليها عام 2007. تباطأت عولمة العلامات التجارية، التي بدت ذات يوم كأنها أمر لا يمكن إيقافه. خلال الفترة من السبعينيات إلى أوائل القرن الحادي والعشرين، ارتفع عدد البلدان التي يمكنك فيها الحصول على وجبات شركة ماكدونالدز، من دولتين فقط إلى أكثر من 100 دولة. لكن لم يرحب أي بلد جديد بالشركة منذ أكثر من أربع سنوات. في الواقع، قامت دول قليلة، مثل بوليفيا وأيسلندا، بتحديد أعمال الشركة واغلاقها بعض الأحيان. كذلك فشلت التوسعات الكبيرة للعلامات التجارية الأخرى. في كانون الثاني الماضي، بدأت شركة مبيعات التجزئة الأمريكية الشهيرة، وول مارت، تسريح أشخاص يعملون لديها في الهند واغلقت بعض متاجرها هناك.

 

مع ذلك، تسارع انتشار نوع مختلف من العولمة في السنوات الأخيرة. تنتشر جمالية التصماميم الجديدة حول العالم اليوم، ليس عبر العلامات التجارية أو الاستثمار الأجنبي المباشر، بل عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت. تتفشى عولمة الذوق برغم تباطؤ التجارة الرسمية. ربما لم تصل مقاهي ستاربكس إلى أجزاءٍ كبيرة من العالم، لكن هناك عدد قليل جداً من المدن الكبرى في العالم الآن لا يستطيع فيها الزائر طلب مشروب قهوة من منتجاتها والجلوس في أجواء توحي ببيئة المقهى الشهير مُحاطاً بالأخشاب المكشوفة ومصابيح كهربائية قديمة. لا تفتخر كابول، عاصمة أفغانستان، بوجود مطاعم ماكدونالدز، لكن يمكنك الحصول على شطيرة برغر جيدة وبطاطس مقلية في مطعم برغر هاوس، وهو مطعم محلي يمكن أن تجد مثيلاً له، وببساطة، في مدينة سان فرانسيسكو مثلاً.

 

في مقهى ليون غرب كابول، يحتسي الشباب العصريون القهوة تحت لوحات لفنانين محليين. يقول كريم كريمي، وهو طالب في مدرسة الحقوق يبلغ من العمر 22 عاماً، والذي يأخذ الكمبيوتر المحمول الخاص به إلى العمل: "أحياناً تحتاج إلى فسحة بعيداً عن ثقافتك". يقول السيد كريمي كذلك: "إنه لمن دواعي السرور أن تجد تلك البيئة في بلدك". تفتخر مدينة غوما، وهي مدينة تقع في شرق الكونغو الذي يمزقه الصراع، بوجود مطعم لبيتيت تشاليت الذي يقدم أطباق بروتين الكينوا بالإضافة إلى "لاتيه ماكياتوس". في بانغي، عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطى، وهي مدينة مزقتها الحروب أسوء مما حصل في شرق الكونغو، يتميز مقهى لاغراند كافيه بمبناه ذو الطابوق المكشوف، ويقدم مشروبات باستخدام قهوة نسكافيه مجففة مجمدة، مما يشير إلى أن هناك حدود لانتشار البعد العالمي.

 

أطلق الكاتب الأمريكي كايل تشايكا تسمية "فضاء الجو" على هذا النمط من العولمة. يصفها السيد ساجيث باي، وهو رجل أعمال مغامر في دلهي، بأنها "الطفل اللقيط لمتاجر أثاث إيكيا ومقاهي ستاربكس وشركة أبل". الغرض من انتشار النمط ذاك هو إبلاغ العملاء المحتملين بأنه سيكون هناك مستوى معين من الجودة. ستلبي القهوة أو قصة الشعر الجديدة بعض المعايير العالمية. يقول كذلك: "يمكنك تسميته تصميماً لتطمين العملاء."

 

يزين الهنود الأثرياء منازلهم "بأثاثٍ قديم بعض الشيء، وأنوال يدوية، وأشياء من هذا النمط"  وليس الطابوق المكشوف أو الأخشاب المقطعة كما يقول السيد باي. لكنهم يبحثون عن تصاميم عصرية في الحانات والمقاهي في مدن مثل دلهي ومومباي لأن ذلك يشير إلى كونهم ضمن نخبة عالمية. يعتقد السيد باي أن المستهلكين الأكثر لهذا النمط من العولمة ليسوا فاحشي الثراء ولكن الطبقة التي تحتهم مباشرة: الطبقة المتوسطة العليا، الذين لا يستطيعون الوصول لاقتناء سيارات بنتلي أو استخدام الطائرات الخاصة، لكن يمكنهم تحمل تكاليف تذاكر الطيران والقهوة الفاخرة.

 

تنمو كلٌ من الطبقة الغنية والمتوسطة بالعدد. وفقاً للبنك الدولي، تضخمت نسبة سكان العالم الذين يعيشون على أكثر من 10 دولارات في اليوم (حسب مقياس تعادل القوة الشرائية لعام 2011)، أي ما يكفي من المال لشراء أشياء بخلاف الطعام والمأوى، من أقل من 25% قبل عقدين من الزمن إلى ما يقرب من 40% في عام 2017. حدث الجزء الأكبر من النمو في شرق آسيا، لكن الرقم ارتفع في كل مناطق العالم. قدّر معهد بروكينغز عام 2018، وهي مؤسسة أبحاث، أن عدد الأثرياء (أولئك الذين يعيشون على أكثر من 110 دولارات في اليوم) سينمو بنسبة 50٪، أو 100 مليون شخص بحلول عام 2030. ستزداد الطبقة الوسطى حول العالم (أولئك الذين يحصلون على أكثر من 10 دولارات في اليوم) إلى ما يقرب من ثلثي سكان العالم.

 

مثل هؤلاء الناس هم الأكثر احتمالاً أن يعيشوا في المدن. يعيش أكثر من نصف سكان العالم الآن في المدن، وفقاً للبنك الدولي. لن يتمكن كل شخص في مدن العالم الفقير (أو حتى في المدن الغنية) من تحمل تكلفة الأكل في المطاعم بشكلٍ منتظم أو زيارة حانات الجعة المصنوعة يدوياً. لكن المدن تخلق وظائف متخصصة بأجورٍ عالية، وعليه سيقوم البعض الآخر بمثل تلك النشاطات. يسمح ذلك للأذواق المختلفة بالازدهار. في كينيا، كما يقول السيد إيون فلين، الرئيس التنفيذي الأيرلندي لشركة برونغ 254، وهي شركة صناعة جعة بشكلٍ يدوي، (سميت على رمز الاتصال الدولي في كينيا)، إن شركته جربت انتاج أنواع من الجعة بنكهاتٍ مختلفة من "الأناناس المكسيكي الحامض" إلى "الفراولة" و "الموز"، ووجدت أن المشترين هم من الكينيين من الطبقة المتوسطة الذين يشعرون بالملل من الجعة الاعتيادية التي كانت حتى وقتٍ قريب الخيار الوحيد.

 

هذه الفئة من الناس أكثر عالمية بالمعنى الحرفي للكلمة. هناك 272 مليون مهاجر في جميع أنحاء العالم، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة. يمثل هذا الرقم 3.5٪ فقط من سكان العالم، لكن أعداد المهاجرين وصلت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. هي بالفعل أعلى من توقعات المنظمة لعام 2050 التي تم توقعها عام 2003. يهاجر أكثر من ثلثي المهاجرين لأسباب اقتصادية.

 

أثناء تواجدهم في الخارج، يكتسب هؤلاء المهاجرون أذواقاً جديدة وأموالاً يجلبونها إلى بلدهم. في أفغانستان، تم تأسيس العديد من الشركات الجديدة ذات الصبغة العالمية، مثل مقهى ليون، من قبل بعض الأفغان الذين فروا من بلادهم في السابق. ينطبق الشيء نفسه على الصومال: بلد يبلغ تعداد سكانه 15 مليون نسمة، لكن الشتات مليوني نسمة. لم تكن مقاديشو مكاناً سهلاً للحصول على قهوةٍ فاخرة في الماضي، لكن ذلك ممكن الآن بفضل من عاد من الصوماليين ممن كانوا يعيشون في الخارج.

 

مع السفر يأتي التعليم وبالتالي التعرض لثقافة عالمية الابعاد. بين عامي 1975 و 2017 زاد عدد الطلاب الذين يدرسون خارج بلدانهم من 800 ألف إلى ما يقرب من 5 مليون. تضخمت أعدادهم بشكلٍ أسرع هذه الألفية حيث ارتفع الرقم بمقدار 20% بين عامي 2012 و 2016.

 

لم يزدد السفر للخارج من أجل التعليم فقط. أصبحت خيارات التعليم العالمية متوفرة أكثر من خلال المؤسسات التعليمية داخل البلدان أيضاً. تأسست الجامعة الأمريكية في أفغانستان، من خلال استيحاء فكرة الجامعة الأمريكية في بيروت، في كابول عام 2004. تضم هيئة التدريس فيها أساتذة أجانب وأفغان تلقوا تعليمهم في الخارج. يتم التدريس باللغة الإنجليزية، وليس لغة الداري أو الباشتو، وهما اللغتان السائدتان في أفغانستان.

 

أصبح الإنترنت هو المحرك الأكبر لتمدد نمط العولمة الجديد في الآونة الأخيرة. تُمكن الشبكة رواد الموضة المحتملين من الوصول إلى معلومات حول أحدث الموضات مجاناً، على الأقل أولئك الذين يمكنهم قراءة اللغة الإنجليزية وتحمل تكاليف استخدام الهاتف المحمول. تضاعفت نسبة الأشخاص الذين لديهم اشتراك في النطاق العريض حول العالم تقريباً منذ عام 2010. لا يتوفر الإنترنت السريع للهاتف المحمول في عددٍ قليل فقط من البلدان، مثل إريتريا وكوريا الشمالية. يمكن لمصممي الشعر واصحاب المطاعم من كابول إلى بانغي أن يستلهموا الأفكار من انستغرام؛ وكذلك يتأثر المستهلكون. هناك قطاع سريع النمو في أفغانستان، ألا وهو قطاع التجارة الإلكترونية، ومعظم السلع  صينية المنشأ يتم شحنها من خلال الشحن السريع، ويطلبها تجار التجزئة مباشرةً من المصنع ويبيعونها عبر فيسبوك. حيث تنتشر التجارة، تنتشر الثقافة أيضاً.

 

أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة ولاية كنساس، الولايات المتحدة الأمريكية.

 

عدد المشـاهدات 548   تاريخ الإضافـة 14/04/2021
أضف تقييـم
تواصل معنا
 07810146125
 info@Economy-News.net
الثلاثاء 2021/5/18   توقيـت بغداد
تابعنا على